بحث في هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 24 أغسطس 2013

                           
 البيضاء -2                                            28/7/2010

 مفتاح بوعجاج
        
   عندما تجتاز موقع مدخل المدينة(متجها شرقا) والذي تم إزالة معظم مبانيه القديمة والتاريخية كما ذكرنا فى الحلقة السابقة فى فترات ماضية بطريقه راح معها الغالي والرخيص وفى وقت لا يستطيع احد الاعتراض لكونه سيتعرض لتهم جاهزة وسريعة وبدون حتى وسيله دفاع أمام هيئة عاقلة تميز الخيانة من الوطنية وتميز العميل من العامل وتميز الخطأ من الصواب وتميز الخبيث من الطيب وتميز القبح من الجمال،، فكان لهم ما أرادوا ونتائجها ومؤشراتها اليوم غير خافية على كل  لبيب او حبيب،،،عندما تجتاز ذلك المكان تلتفت  يسارا فترى سور بداخله كان ما يسمى (بدار اليمن) ،،كانت دارا جميلة بها حديقة غناء كان بها جميع أصناف الأشجار والفاكهة والحقيقة انها بقت كما هى بل أصبح جزءا منها مشتلا للفواكه ونباتات الزينة وهذا أمر مستغرب فى ظل ما حصل ولا يسعني فى هذا المقام الا ان اشكر كل من له الفضل فى بقاء هذا المكان كما هو اليوم رغم المحاولات الواضحة فى التسلل لبناء محلات ودكاكين والتضييق ومحاولات التغلغل الى المكان من كل جانب وأمل له الصمود،،

     السيلس (صومعة الحبوب )بالبيضاء مبنى تاريخي بناه الايطاليين فى ليبيا  لايمكن ان تتحدث عن البيضاء بدون المرور عليه،،وهو معلم تاريخي يقع في وسط مدينة البيضاء القديمة وعلامة من علامات توجهات ايطاليا فى إنتاج الحبوب بمنطقة الجبل الأخضر، وكان يستعمل لتخزين الحبوب بأنواعها حيث يتم توريد وتخزين الحبوب بأنواعها وخاصة القمح والشعير المنتجة بمزارع المنطقة واستمر العمل بهذا الأمر حتى نهاية السبعينات وكنت ترى طوابير سيارات المزارعين وهى محملة بالقمح والشعير لتسليمها الى السيلس الذي يعمل به خبراء الحبوب ليصنفوا الحبوب كدرجات يتم بعدها وزنها وتخزينها ليتم خلال فترة زمنيه قصيرة قيام وزارة الزراعة عن طريق المصرف الزراعي بتسديد ثمنها للمزارع ويتم في الموسم القادم إعادة تسليم الجيد منها مرة أخرى للمزارعين كبذور وبأسعار تشجيعية  وجزء منه كان يذهب للمطاحن المحلية كمطحن الورفلى ومطحن سوق الأحد القديم ومطحن شحات ومطحن ماسة ،،وهكذا الدورة...وبعد رفع شعارات الإنتاج وان لا حرية لشعب يأكل من وراء البحر ..اختفت طوابير الموردين والمنتجين ولم يعد هناك لا قمح ولا شعير بل يكاد يختفي مبنى السيلس بل يكاد يسقط من الإهمال وهو اليوم محاصر تماما من المحلات والدكاكين والمطاعم التي تبيع كافة المواد الغذائية المستوردة من جميع أنحاء العالم ...وتحول طوابير المزارعين إلى طوابير على الخبز المعمول من الدقيق المستورد من تركيا وايطاليا وألمانيا وغيرها من دول العالم واختفت حتى المطاحن المحلية( بدأ بعضها يعود بشكل خجول)،،ومن شكل الحصار الذي يضيق يوما بعد يوم على السيلس ، هناك دلالة على ان المحاولات جارية ومستميتة لتحويله الى موقع تجارى او دكاكين وهى الموضة السائدة في عموم ليبيا .

    من المدارس المشهورة بمدينة البيضاء ولها تاريخ تعليمي حافل ودرس بها جيل الخمسينات والستينات وجزء من السبعينات مدرسة الميدان كما ذكرت فى الحلقة السابقة وكذلك مدرسة(النصر الثانوية) التاريخية التي عمل بها كثيرا من أساتذتنا الأفاضل ومنهم الأستاذ رجب بيانكو أطال الله في عمره و الأستاذ المرحوم (على قسمات) والذي لدينا معه الكثير من الذكريات الطيبة والذي كنا ولا زلنا نضرب به المثل فى الالتزام والإخلاص والوطنية والتفاني فى العمل التعليمي فكان كأنه يدير دولة لا مدرسة ولنا معه الكثير من الذكريات والأيام الطيبة ولا تزال الحكايات عنه وعن عمله المخلص تأتى بين حين وأخر فى جلساتنا وجلسات المدينة ..وما أردت ان انوه عنه فى هذا المضمار هو المحاولات المستمرة لهدم هذا الصرح التعليمي بل لا تزال علامات محاولة الهدم بادية على واجهه تلك المدرسة ..ومن هذا المنبر أناشد من له علاقة بهذا الأمر (لاننى لم اعد اعرف من هو المسئول عن هذا الأمر )    فلا توجد إدارة محلية ولا يوجد مجلس بلدي   ،أناشد إيقاف هدم الأماكن التعليمية والتاريخية مهما كانت الأسباب ،،،فمن هو الذي يريد ان يقنعني بأن ذلك الغرض منه هو توسعات المدينة بينما تبنى المحلات والدكاكين على جوانب تلك المدارس والأماكن التاريخية جاهزة لالتهامها بعد هدمها؟؟؟.

  من حسن حظي وجود الأستاذ الفاضل عبد الله جبريل فى نفس الحي الذى اسكنه (مع وجود قليل من سوء الحظ بسبب كون الأستاذ عبدا لله وهوايضا رئيس جمعية الحى الاجتماعية وبالتالي انأ مطالب بدفع الاشتراكات الشهرية له وهوانسان منظم لا ينسى القيمة ولديه سجل منظم ويلح فى المطالبة بدفع القيمة دائما( ومع ذلك لازلت متأخرا عن جيراني))وهذا الحي  معروف يحي الزيتونة نسبة الى شجرة زيتون يتيمة تم الانقضاض علي رفيقاتها فيما مضى فى حمى اقتلاع الأشجار والغابات وبقت شاهدا على العصر والجريمة ..,,وكنت أنا واصدقائى فى الإعدادية طلبه لدى الأستاذ عبدا لله أطال الله فى عمره فى مادة اللغة العربية فى مدرسة الميدان التى تم إزالتها أيضا فى حمى هدم الأماكن التاريخية ،،واذكر ان الأستاذ عبدا لله قدم لنا كتابا جميلا مترجما عن الفرنسية ,,مترجمه هو المنفلوطي بعنوان (ماجدو لين) وله اسم أخر هو(تحت ظلال الزيزفون) وهى قصة إنسانية حزينة عن الوفاء والإخلاص والتضحية وبأسلوب المنفلوطي رحمه الله عليه المعروف وأصبح الأستاذ عبدا لله يقرأ علينا يوميا صفحات من تلك القصة الرائعة بإحساس راق وشعور نبيل وتأثر وكنا تواقين للاستماع وتمكنا من الاستمرار فى قراءة القصة الى نهايتها وتأثرنا بها وأصبحنا منذ ذلك التاريخ قراء كتب ومجلات ،،هل يستطيع طالب اليوم او حتى خريج جامعه او حتى اعلي من ذلك ان يقرأ مثل تلك الكتب او حتى يستمتع بها او حتى يتأثر بها؟ ،،،وهل يجسر أستاذ ان يطلب من طلبته العودة لقراءة هذه الكلاسيكيات الجميلة؟؟ ..انه عصر الدح الدح أنبو!!والطشت ألى والمذكرات المنسوخة والمصورة !!وانا هنا ذكرت الأستاذ عبدا لله ليس لأنه الوحيد بل كمثال لا الحصر ،،هؤلاء الأساتذة الذين لا يسع المكان لذكرهم ومنهم الأستاذ سعيد عزوز أطال الله فى عمره والأستاذ على مسعود والأستاذ مسعود مازق ولا انسي فضل الأساتذة من مصر الذين جاءوا للتدريس ومشاركة ليبيا فى نهضتها التعليمية أيام ليبيا لا مال لا فزاعة... لقد كانوا بمستوى المجاهدين المخلصين الطيبين جازاهم الله عنا كل الخير,
  حكي لى صديق اكبر منى سنا انه فى السنوات الأولى لدراسته فى مدرسة عمر المختار الداخلية كان هناك أستاذ ليبي مكافح يأتي للتدريس عليهم فى تلك المدرسة وكان يقوم بواجبه بشكل ليس له مثيل رغم ظروفه الصعبة وكان يأتي  راجلا كل يوم من الجهة الجنوبية وكانت لديه بذلة واحدة قديمة يلبسها عند حضوره للمدرسة ،،وفى نهاية الفترة الدراسية وبعد تأدية الامتحانات النهائية جمع هذا الأستاذ طلبة الفصل وجلس أمامهم على كرسيه حزينا ومهموما وبنظر فى نظرة حزن واستغراب الى طلبة الفصل الذين أصابهم الذهول كأن على رؤوسهم الطير حائرين عن الأسباب التي جعلت أستاذهم الذين يحبونه ويهابونه يظهر بهذا الشكل الحزين  ،،وبعد دقائق صمت مرت كأنها ساعات قال لهم وهو يهز عصا قصيرة بين يديه :مش عيب عليكم ،،مش حرام عليكم ،،،بعد تعبي هذا كله معكم ،،يطلع الأول من الفصل الأخر!

    ياالله ،،تخيلوا هذا الأمر وهؤلاء الكرام وهذا الجيل العظيم الذي تمت خيانته علنا وبدون حياء وها نحن نحصد ما زرعنا وأصبحنا نظن ان التعليم هو ستائر ومكاتب وبذل وكرافتات ومناهج مستوردة وورقه ووريقات  ومؤتمرات وندوات وهمية وقليل من المذكرات مصورة تشترى من المصورات ,,انه رجال ونساء غيورين ووطنيون كانوا هنا ورحلوا،،ولن يرجعوا إلا بعودة الوعي والأصول وإلا فلا شيء إلا سراب متعلمين.
   هكذا كان يدير أساتذتنا الأجلاء فصولهم ومدارسهم وهكذا كان عفافهم وعزتهم وهكذا كانوا قدوتنا  ،،ماذا أصاب القوم ليتغيروا (مع الاحترام والتقدير للقابضين على الجمر اليوم) ..(اسألوا الناس وادرسوا الظروف المحيطةّّ!!!)،،،ومن واجبي ان أنبه الغافلين بأن التربية والتعليم هي أساس التنمية البشرية التي هي أساس بناء اى شيء ومن غيرها لن تجدي اى تنمية فى الوطن ، فمن خلال التربية والتعليم نستطيع ان نغرس المثل والأخلاق والمبادئ والوطنية ولا يجوز اللعب او المهادنة فى هذا المجال كما لايجوز ان يكون مجال التدريس والتعليم بدءا من الروضة وحتى الجامعة مكانا صالحا لاى كان ومكانا للتجارب ،،انه مكان طاهر مقدس له شروط موضوعية وشخصية تعليمية وأخلاقيه وتخصصية لمن يدخل هذا المجال...كما لا يجوز ترك اختيار مسئوليه للتقسيمات القبلية تأتى بمن تشاء وتذهب بمن تشاء ؟ انه مكان للكفاءات الوطنية الناجحة من اى مكان فى ليبيا؟,
  قد يجرك الحديث وأنت لاتدرى الى مواضيع خارج مايستدل عليه بالعنوان ولكن عزائي فى ذلك للقراء اننى قد ذكرت ان هذا الموضوع هو للحديث عن المدينة والهواء والتراب والحجر والبشر،،كما انه حديث للعودة بنا والجلوس والتفكر والتأمل في الأحداث والتاريخ ؟ وأفضل مكان للجلوس فيه والتأمل والتدبر هو هذا المكان الذي حفظناه قلبا وقالبا وأحببناه ولنا فيه اعز الرفاق والأصدقاء والأحبة ولنا فيه من الذكريات ما استقر فى وجداننا ولم ولن تحيدها محاولاتنا المستمرة للالتفاف عليها ومحاولة نسيانها او المرور عليها وهذا من طبيعة البشر،،انا بهذا لا اريد ان استرجع طفولة مرت او أتباكى اواتحسر على شىء ما وان كان هناك شيء أتحسر عليه لهو أخلاق ذلك الزمن الجميل وهدؤوه وإنسانيته ووفاءه،،   ،،اننى أردت بحديثي عن المدينة هو اننى اريد ان انبه الجميع او انغزهم ان لم ينتبهوا بوجهة نظر قابله للرأي والرأي الاخر ويكون منطلقا للحديث عن مواضيع شتى :أسماء أشخاص –أماكن وتواريخ –عن الزراعة –عن الفن-عن ألصناعه-عن الإدارة-عن الاقتصاد – عن الشباب –عن الكهولة-عن التعليم-عن الجانب الاجتماعي وغيرها من المواضيع التى تهم الإنسان فى اى بيئة معيشية ولهذا اطلب السماح وطول البال عندما اقفز من هنا والى هناك عندما أتحدث عن البيضاء المكان......

      لا يمكن التحدث عن البيضاء أيضا بدون ان تمر على (السوق الفوقي) هكذا سمعنا عن اسمه وهو يدل على ان تسمياتنا للاماكن تأتى بعفوية وشعبية وبدون تخطيط (سوق العجاج)و(سوق الزبط) وغيرها ..وهو يقع فعلا من الناحية الجغرافية اعلي البيضاء القديمة وكان المكان الوحيد فى المدينة الذي توجد به محلات تجارية فى مجمع واحد وقريب من الجامع الكبير (جامع الملك) ،وقد تم قفله تماما أيام إقفال المحلات التجارية بدعوى ان التجارة ظاهرة استغلاليه وغير إنتاجية وظل مهجورا ومهملا لسنوات  الى ان عادت (التجارة الاستغلالية!!) التي لم يتوقف مكانها على السوق الفوقي بل اكتسحت التجارة كافة أحياء المدينة القديمة والجديدة وتحولت كل المدينة الى سوق فوقى ،،،،
 كان السوق الفوقي ذو المعمار البسيط يحوى مجموعة محلات تجارية متنوعة الخدمات والذين يعملون به من كبار السن والشخصيات المعروفة بالمدينة كما كان به أشهر مقهى بالمدينة وهو( مقهى الجزائر) بعد مقهى عبد المولى وهو مكان هادئ وجميل كان يلتقي  فيه الأصدقاء وأصحاب السوق  والضيوف..تم أيضا قفله فى حمى قفل المقاهي والمطاعم والمحلات  فترة من الزمن وبعد عودة التجارة والخدمات من جديد تم افتتاح المحل بعد تحويره   وأصبح محلا لبيع الذهب والمصوغات الثمينة وتحول ذلك السوق الفوقي الهادي بعد عودته الى سوقا للذهب وسوقا للأثاث والصالونات والستائر واحتياجات الأفراح وغيرها من المحلات والتى تستنزف أموال البيوت بدعوى تغيير الموضة كل ستة أشهر تقريبا،، وأصبح سوقا استهلاكيا بالدرجة الأولى وليس بهذا السوق ألان اى شكل معماري مميز وكل يبنى حسب ذوقه وضاعت طبيعة السوق الفوقي التاريخية فى ظل النشاز البنائي كما يلاحظ انه لا توجد به قطعه خضراء واحدة مما يعطيك انطباعا بأن هذا المكان لا ينبت فيه عشب او شجر متناسين ان هذا السوق يقع فى عاصمة الجبل الأخضر الذي ينبت فيه كافه أصناف النباتات والأشجار ؟؟؟ ومما لا شك فيه ان عودة التجارة وفتح المحلات الاستهلاكية جاء بطريقة ثقافية استهلاكية لم تكن موجودة عند الليبيين وكأنها نكاية فى قفلها سنوات ،،فترى ربات البيوت وطبعا متبوعات بأصحاب البيوت الرجال زرافات ووجدانا وسط السوق وخاصة عند نزول المرتبات يقمن باستبدال  المواد المنزلية والأثاث والستائر وشراء مستلزمات الأفراح  ويتفاخرن ايهما اشترت الأغلى سعرا والأكثر فخامة كما تم اختراع الجمعيات النسائية المالية لهذا الغرض وقد انتبه أصحاب المحلات لهذا الأمر وبدئوا بتغيير الموضات كل مدة  جذبا لهن وأصبحت هذه الأماكن كأنها مصائد لهن ،،،هذه الثقافة الاستهلاكية قد أضرت بوضعية الأسرة الليبية ماليا وجعلتها تلجأ الى الاستدانة من اجل الحصول على أشياء ليست ضرورية بل هى استهلاكية استعراضية (هذه الثقافة غير موجودة فى الدول المتقدمة بهذا الشكل فترى انهم يفتخرون بأثاثهم القديم ومستلزمات المطبخ التى قد تكون قد ورثوها عن أبائهم وأجدادهم وكم من اسرة يقدمون لك صحن و شوكة وسكين متفاخرين بأن أبائهم وأجدادهم قد استخدموها منذ عشرات السنين وهاهي لا تزال مستعملة اليوم وتزيد قيمة الأشياء عندهم كلما استقدمت ،اما نحن فبالعكس تماما؟؟؟وياليت من يطالبن بتحرير المرأة ان يلتفتن الى هذا الأمر والتنبيه بأن حرية المرأة ليست فى الثقافة الاستهلاكية  وانما فى الإنتاج والإبداع وخلق أشياء منزلية جميلة بأبسط الأشياء وليس بغلو ثمنها والحياة كما يقول كبارنا (ليست بما تريد وإنما بما تجد) ..وقد يكون البطيء فى تحولات المجتمع المدني له علاقة بهذا الأمر ,,,لا زلت اذكر ان عدد الأفراد الذين يأكلون على الأرض مع بعضهم كان يصل الى سبعه أفراد  ثم نزل الى ستة ثم الى خمسة ثم الى أربعه وفى بعض الأماكن وصل الى ثلاثة ..اى أنهم متجهون الى الاثنان ثم الواحد قريبا وهذا معمول فى صالات الأفراح وخاصة فى قسم النساء حيث يجلسن على طاولات وكل واحدة لها صحنها المنفرد ..وهذا الانتقال المرحلي البطيء يتطلب شراء مواد منزليه خاصة بكل مرحلة ..ولذلك تجد البيت الليبي متوفرة به مستلزمات كل مرحلة وأصبح البيت الليبي كما يقال كأنه منشأة مواد منزلية أيام المنشات، ويتزين كل بيت (بمكتبة) لا يوحد بها كتب ومجلات كما يتناهى الى البعض ..بل بها كل أنواع الصحون والطواقم المنزلية وفناجين القهوة والشاهى والمناشف !!نكاية فى الثقافة والمثقفين...للحديث بقيه



   
  
  


   
                         


  البيضاء -3                                            5/8/2010
                           ـــــــــــ

  مفتاح بوعجاج

     لقد تلقيت الكثير من الشكر والنقد والتلميح والاستفسار والتشجيع والإضافات والتعديل مرسلا ومكتوبا وشفاهة من الكثير من سكان المدينة والأصدقاء والكتاب بالإضافة الى تعليقات متنوعة على المقالين (البيضاء-1&البيضاء-2)بأسماء رمزية وحقيقية، وللحقيقة أقول انه قد نالنى السرور وسعدت من كل ذلك و يبدو انه كما قالت إحدى المعلقات اننى لمست وحركت (وترا) كان نائما في نفوس الناس عن تاريخ وذكريات المدينة  ،هذه المدينة التي جمعت كل أطياف ليبيا الحبيبة فى ظلالها بل تجاوزت ذلك إلى أطياف أخرى عربية وإسلامية بدون حدود ..وعموما أنا اشكر كل من مر على مقالاتي تلك ومقالي هذا واسعد بأي تعديل أو تصحيح مع تبادل شكري لمن شكرني بكلمات كانت عونا معنويا وجعلني أقول ان الدنيا لا تزال بخير وان قلوب وشعور وإحساس الكثير من الخيرين لم تمت بعد ولله الحمد! وان كثيرا من القلوب لم تصدأ بعد كما يصدأ الحديد وان المشاعر لا تزال تنبض وان التبلد لم يغمر الجميع!!كما اشكر كل من استكمل فى تعليقه جزءا من تاريخ المدينة لم أعشه أو لم أتطرق إليه بل كان له الفضل في زيادة معرفتي لفترة زمنية لم أعشها.
 اعجبنى تعليق بتعبير شعبي معبر يقول صاحبه أو صاحبته:
    ذكر الدار تعميك **اماقيك ديما اماللي
    يا الباكية من يساهيك**وأنت أبكاك ما شط والي
والذي أرجو وأتمنى من صاحبه او صاحبته استكماله او تزويدنا بالقائل او المصدر.
  وحديثي عن البيضاء لا يعنى تمييزا لها عن اى من مدن بلادي ليبيا العزيزة فلكل واحدة منها مكانة خاصة في قلوبنا وخواطرنا وذكرياتنا ،وحديثنا عن مدينتنا البيضاء هو حديث وسرد نستطيع من خلاله الحديث عن أشياء أخرى تهم الوطن والبشر والأخلاق والسلوك والتاريخ والاقتصاد والتعليم وغيرها من القضايا وهو الأمر الذي عبر عنه احد المعلقين بالسرد العكسي،  وقد فهم الكثير من القراء و المعلقين هذا الأمر بينما  اعتقد بعضهم اننى اسرد متألما متباكيا هدم وإزالة المباني فقط متناسيا ألام البشر والنفوس وتغير القيم والأخلاق ،،وهذا غير صحيح وليس ما قصدته ،، وما يؤلم هو التعليق اوالنقد بدون قراءة النص والأسطر كاملة وما أتمناه هو المرور على كل الأسطر بل أتمنى قراءة حتى مابين السطور ليكتمل المعنى..وجوهر كلامي مقصده انك إن أزلت مبنى تاريخي كان يوما مجمعا للبشر وخاصة مدرسة او كليه او جامعه او جامعا او حجرا او مقاما او حتى شجرة، فأنك بذلك قد أزلت جزءا من نفوس وأرواح  هؤلاء البشر وجزء من ذاكرتهم و تاريخهم  الذى قد يكون من اسعد أيامهم او لهم فيه ذكرى جميلة بوجدانهم. ففي كثير من الدول يعتبرون اى مبنى مرت عليه سنوات معينة او حدثت به حادثة تاريخية يعتبرونه من المباني التاريخية ولا يمكن إزالته او تعديله الا بعد اخذ التوصية المناسبة من لجنة متخصصة تسمى فى أمريكا وبريطانيا مثلا فى كل بلدية (لجنة المباني التاريخية) تتكون من أعيان وقدماء ومتخصصون البلدية وتعرض قراراتها على العامة لإمكانية الطعن فيها او إبداء الاقتراحات بالخصوص.ونحن أولى بهذا الأمر من غيرنا من الشعوب لما عندنا من أهميه وجدانيه وعاطفية لمباني وأطلال الماضي، بل إن من أعظم الأشعار والمعلقات ما قاله شعراؤنا عن الأطلال والماضي :
  فمثلا يقول امرؤ ألقيس:
            قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل  ** بسقط اللوى بين الدخول فحومل
ويقول طرفه ابن العبد:
            لخوله أطلال ببرقه ثهمد        **  تلوح كباقي الوشم فى ظاهر اليد
ويقول عنترة :
             حييت من طلل تقادم عهده      ** أقوى وأقفر بعد أم الهيثم

وتكاد لا تجد قصيدة أو بيوت شعر عربي إلا بها أثرا من  الحديث عن الأطلال بل كثير من قصائد الماضي لاتبدأ إلا بالحديث عن الأطلال.ومن أروع الأعمال الحديثة قصيدة إبراهيم ناجى (طبيب) وهى قصيدة الأطلال التي تغنت بها أم كلثوم لحنا رائعا من رياض السنباطى ويعتبرها بعض النقاد من أجمل خمس قصائد مغناة في القرن الحديث كلمات ولحن وغناء.
    عن المدينة أقول اننى لا زلت اذكر قيام أهلنا بشكل معتاد أيام الأحد بالذهاب إلى السوق الشعبي بالمدينة حيث كان السوق الشعبي بالمدينة يقام أيام الأحد ولا يزال، رغم نقله من مكان لمكان، وكان لذلك السوق وظيفة اقتصادية حيث انه مكان للبيع ولشراء المنتجات الزراعية والحيوانية المحلية ولتبادل السلع ووظيفة اجتماعية حيث يتم فيه اللقاء بين الناس للتشاور والنقاش والبلاغات   على مواضيعهم الاجتماعية وهو تقليد شعبي أصيل عند الليبيين فتجد لكل مدينة او موقع يوم في الأسبوع يقام فيه ذلك السوق بل هناك أمكنة تم تسميتها بيوم السوق مثل سوق ألجمعه وسوق الثلاث وغيرها ..بل يكاد أن يكون كذلك تقليدا متوارثا في معظم مدن العالم ..وهذا النوع من السوق هو سوق لايدّرس في الجامعات ولا الأكاديميات ولا كليات الاقتصاد ولا تعقد من اجله المؤتمرات ولا الندوات ولا البحوث ولا الدراسات ولا الأوراق والوريقات عندنا ولم اسمع عن احد قام بتحضير رسالة دراسات عليا عنه، بسبب نظرية جبل الثلج التي تفيد بأننا نقوم بتقليد الغرب فيما وصلوا إليه من نتائج نهائية قافزين على المراحل التي مرت بهم حتى وصلوا الى ما وصلوا إليه رغم ان مثل هذه  الأسواق الشعبية موجودة بأكبر مدن العالم كلوس انجلوس ونيويورك وبرلين وروما والقاهرة بل أصبحت هناك أسواقا شعبية متخصصة فى هذه البلدان  كسوق الكتب المستعملة وسوق الأجهزة وسوق الملابس وغيرها( بل حضرت سوقا شعبيا للغلال بإحدى مدن كاليفورنيا الزراعية) ولذلك تجاهل أساتذة و علماء الاقتصاد والتنمية عندنا مثل هذه الأسواق وبنوا أسواقا عامة كبيرة كلفت البلاد المليارات  وراحت واختفت تلك الأسواق التي كلفت المليارات وبقت الأسواق الشعبية كسوق الأحد وسوق ألجمعه  رغم انه لم يصرف عليها شيء بل تمت محاربتها وتجاهلها ونقلها من مكان لمكان ورغم ذلك لا تزال موجودة لأنها تؤدى في وظيفة اجتماعية اقتصادية  لا يمكن للدولة القيام بها ،فأيهما أصلح للقيام ببيع ربطات الكسير و المعدنوس والجرجير والماعز والضأن؟، هل هى الدولة بمنظريها الأكاديميين وخبراء البورصات والاقتصاد الذي لم نفهم حتى ألان لا لونه ولا شكله، ام السوق الشعبي الذي انشأه الجمهور؟
(وغاب عنهم تماما أن سوق البورصات فى العالم الأخر ما هو لا تطور للأسواق الشعبية قديما وما عليك ألا مقارنة حركة المتواجدين  بسوق البورصات وحركة شراؤهم وبيعهم وبين تلك الحركات في  الأسواق الشعبية) ، وإنا متأكد من ان هؤلاء الخبراء لا يشترون أعيادهم وبعض مستلزماتهم الا من هذه الأسواق الشعبية ،وعموما مرت التجربة  و هًًََُُزمت رغم عباقرتها وملياراتها  وراحت معها تلك اللجان المشكلة الذاهبة والآتية لجرد رباطى المعدنوس والخضروات للتسليم والاستلام والتخزين  والإعدام وما تحتاجه من أوراق ومستندات وقرارات واجتماعات من الأمناء والأمينات وآذنات وطباعين وطباعات ومحفوظات وسجلات  ، وبقى المواطن البسيط وسوقه البسيط منتصرا و الذي لا يحتاج من الدولةالا إلى تحديد مواقع مناسبة وتهيئتها و الأشراف والتوجيه والتخطيط والمراقبة بل يمكنها اخذ رسوم عند قيامها بواجباتها الصحيحة والمؤلم هو اخذ الرسوم بدون عمل اى مجهود منها كما رأيت بأم عيني فى سوق ألجمعه بشحات,,حيث يقوم البعض بأخذ الرسوم بدون تقديم اى خدمة بل يكاد يتوارى السوق في المجارى والأوساخ .
  لازلنا نذكر دكان الحاج سالم التونسي أطال الله فى عمره بالسوق الفوقي والذي كان يبيع في كافة أنواع التوابل والزراريع وغيرها من المتطلبات الشعبية فى الأفراح وحتى الأدوية والأعشاب والوصفات الشعبية إلا انه تم قفله فى حمى قفل التجارة (الاستغلالية!) وأقيمت بدله وأمثاله شركات العطور والزينة والصابون ومواد التنظيف وغيرها من المسميات إلا أن مع مرور الوقت انهارت البدائل المليونية وتلك الشركات العملاقة ذات المسميات الكبيرة وعاد دكان التونسي منتصرا شامخا متحديا النظريات الاقتصادية التي دوخونا بها فترة من الزمن  .
   راحت واختفت من مدينتي أيضا وسائل النقل العام التي كان فى الستينات وحتى بداية السبعينات يضرب بها المثل فى النظافة والمواعيد وحلت محلها هذه الباصات والحافلات ذات الأشكال والألوان والأحجام المختلفة والتي لا يوجد لها مواقف ولا مواعيد ولا خرائط محددة (رغم اعترافي بأنها سدت فراغا وحلّت مشكلة تغاضت عنها الدولة) وقد تواجدت هذه الظاهرة أولا نتيجة للحاجة لها وثانيا لكونها أصبحت مورد رزق لكثير من الشباب والكبار أيضا فى ظل البطالة التي ليست بخافية على احد ولكنها بالإضافة إلى هذا الكم الرهيب للاستيراد المفتوح بدون ضوابط لكافه أنواع السيارات ومن كافه البلدان والأنواع والأعداد والأشكال (حيث يفترض وجود دراسة لمعدل عدد السيارات بما يتناسب مع سعه المدينة وشوارعها) قد شكلت أزمة مرورية خانقه لا يمكن حتى لرجال المرور حلها وخاصة وان كافه شوارعنا ومياديننا غير مخططة ولا يوجد حد فاصل لحق المشاة وحق السيارات وحتى الدراجات .وأنا متعاطف مع رجال المرور لكونهم أمام معضلة لم يتم استشارتهم فيها ولكنهم مسئولون عن وضع حل لها وخاصة وان تخطيطنا لا يزال تجزيئيا وغير شمولي فكيف بالله عليك يبنى جامع يتسع لأكثر من ألف مصلى ولا يوجد له مكان لوقوف السيارات ،ولماذا لا تحدد أمكنة مخططة لمرور الطلبة والطالبات ليكون مكانا أمنا من السيارات أمام مدارسهم.وعموما هذا من ضمن الهم العام الذي لم يعد يفكر فيه احد فكل مشغول بهمه الخاص !!!
    عندما تجتاز مبنى السيلس المحاصر من كل اتجاه فى محاولة على ما يبدو للإجهاز عليه، متجها شرقا صوب شارع العروبة وتصل الى مباني البريد القديم مباشرة تجد لنفسك متنفسا فى الميدان الذي لا يزال واسعا وتشم فيه عبق الماضي محاطا بمبنى المصرف الزراعي والسجل المدني وبعض العمارات من الجهة الجنوبية والشرقية وكذلك مدرسة النصر وما جاورها وكلها مثالا لما نقول عنها الأمكنة التاريخية ، وتفرح لكون هذا لمكان وهذه الساحة لم تمسها يد( التطوير التجارية!!) فبقت بروحانيتها ونكهتها التاريخية وتشعر بأنك لا تزال ترى البيضاء القديمة وتشم رائحتها وهو لازال من الأمكنة الجميلة فى المدينة ونتمنى ان يبقى كذلك كما اكرر فى هذا المقام مطلبي وكثير من أبناء المدينة بعدم إزالة مدرسة النصر إحدى معالم المدينة التاريخية مهما كانت الأسباب والمبررات ..
    فى الشمال الشرقي لذلك الميدان تقع مقبرة بنى زرقاء التاريخية والتي اعتقد أنها أقدم مقبرة في البيضاء وكنت أتمنى ان تبقى مساحه فارغة تضاف للمساحة التي تحدثت عنها أنفا لتكون حديقة طبيعية لوسط المدينة أسوة بالمدن المتحضرة ولكن هناك بوادر حصار تجارى أدعو الله ان ينجو منه هذا المكان التاريخي العتيق.
  عندما تستمر شرقا تجد على يسارك (فندق البيضاء )(البيضاء بالاس كما كان يسمى أيام مجده) وتراه اليوم مهشم الفم والأسنان والضلوع وله على هذا الحال أكثر من سنتان دليلا على انه يمر بمرحلة التحول والإصلاح والتطوير التي لا نعرف إلى أين ستؤدى به رغم قناعاتي الفنية انه لم يكن بحاجة إلى هذا (التطوير) بقدر ما كان بحاجه إلى إدارة حديثة والى  صيانة دورية مثله مثل اى مبنى أخر وأخاف ان يظل على هذا الحال مثل أخيه الفندق فى مدخل مدينة درنة الذي له أكثر من خمس وثلاثون عاما على هذا الحال...

   اليوم يصل تعداد سكان المدينة البيضاء إلى حوالي 100000مواطن ومواطنة أما اقليم الجبل الأخضر فيصل  تعداد سكانه إلى أكثر من 350000 مواطن وموطنة ومن يرى هذا الازدحام وهذا الضغط وهذا الاختناق المروري والبشرى وهذا التدافع وهذا التطاحن وهذه الطوابير على المصارف وعلى السوق وعلى محطات البنزين وعلى محطات توزيع الغاز وهذا الزخم (سابقا) على مكتب إصدار البطاقات الشخصية وهذا الزحام والإبكار الفجرى على مكاتب إصدار الرقم القومي وذلك التناحر والزحام على مكاتب إصدار الكتيبات الخضراء وتلك الجموع الهادرة بمكاتب الأملاك والمرافق والإسكان و التسجيل العقاري وتلك الجمع من السيارات والبشر  يتزاحمون ويقفلون الطرق فى سوق الأحد الشعبي وهذه التجمعات الطالعة والنازلة بمجمع المحاكم والنيابيات  والأمانات وهذه الحيرة فى كيفية مرورك بأحد تقاطعات الشارع دون مشاجرة او حتى دون تؤذى سيارتك او سيارة الأخر، كما  انك لن تجد مثيلا في العالم كله لمثل هذه الجموع والكتل من ذكور وإناث  صغار وكبار والتي تدك مبنى مستشفى المدينة كأنه قلعه محاصرة وتم فتحها  إثناء ما يسمى بوقت الزيارة للمستشفى ويكاد ذلك المبنى المسكين يسقط من أثرها وخاصة وان الجزء الرئيسي منه مبنى منذ الستينات! ..كل من يرى ذلك يكاد يشك فى تعداد السكان !!  ولذلك فهي ظواهر تستحق الدراسة والتمعن والبحث عن أسبابها ومعالجتها وخاصة وإنها لا تحتاج لمركز الاستشعار عن بعد ولا لمراكز الدراسات الإستراتيجية لدراستها .
  رغم كل ذلك تبقى للمدينة نكهتها الخاصة ولااهلى بها جميعا ولمبانيها ولشجرها وترابها وعيونها وشتاؤها وصيفها وربيعها ومناسباتها وما جاورها من مدن وقرى أصالة ومحبة وتواصل وروح طيبة لا يشعر بها إلا من ولد بها وعاش  بها ثم غاب عنها .
             بلادي وان جارت على عزيزة ***واهلى وان ضنوا عليّ كرام
             ومن تؤوه دار فيجحد لفضلها *** يكن حيوانا فوقه كل أعجم

             الم ترى ان الطير إن جاء عشه***فأواه في أكنافه يترنم
 


 



                        
 البيضاء -4                                        29/08/2010
                             ــــــــــــ

 مفتاح بوعجاج
 ــــــــــــــــــــــــ

   لم أكن متعاقدا مع أية مؤسسة سياحية او مكتب من مكاتب الدعاية للمدينة  لجذب وجلب السائحين حين كتبت عن البيضاء وأهلها ومبانيها وترابها وحجرها وبشرها وجزء من تاريخها الذي اعترف بأنني غير متمكن منه كله ،،حتى يلزمني البعض من التحدث عن المدينة ومعالمها فقط دون التطرق إلى الأمور الأخرى التي تجد نفسك (متورطا فيها) تلقائيا فهي كوجهه نظر لهم الحق فى قولها ولكن غير ملزمة بالنسبة لى وخاصة أنهم ليسو رؤساء تحرير لهذه الصحيفة التى فتحت أبوابها لنا بدون منة وهم فى غربه عن وطنهم رافعين مبدأ حرية الرأي للجميع بإمكانيات متواضعة حسب اعتقادي ولكن همة عاليه .. وخاصة أيضا اننى أضع مقالاتي تحت  قسم(وجهات نظر)..ويجوز ان يكون العنوان مضللا بعض الشيء إلا أن مشكلتي اننى فعلا متورط وجدانيا فى حب وهوى هذه المدينة وتاريخها وأهلها وما جاورها وهى أصبحت رمزا للوطن كله ، ليبيا الغالية ،،ولهذا لن تستطيع أن تعبر عن مكنون هذا الوجدان إلا بلغه أدبية مخلوطة بشيء من العلمية وهذا ما يجعلني بين المطرقة والسنديان فالمنهج العلمي  ومتتبعيه يقولون أخطأت وأين المصادر وأين المراجع ؟والمنهج الادبى ومتتبعيه يقولون لا تتحدث بالأرقام بل تحدّث بالأحاسيس والمشاعر ولا اعرف هل هذه ميزة لمقالاتي البيضاوية سلبا ام إيجابا؟؟..كل ما اشعر به هو ان الحديث عن المدينة قد فتح لي أفاقا للتحدث عن أمور أخرى تهم الوطن والمواطنين وقد استهواني ذلك وأتحمل تبعاته..
  في مقالاتي (جبل الثلج) كان محور الحديث عن قفزات  قفزناها فى الهواء (وأنا هنا قد استعير بعض من المصطلحات التي قد جاءت فى بعض التعليقات وعذرا وسماحا على ذلك) بعيدا عن ارض الواقع وما عودة الحكومة بعد أكثر من ثلاثون عاما إلى الحديث عن البنية التحتية  وما جاورها وبأرقام عالية إلا دليل على إننا كنا فى مكان أخر غير (التحتية) ومع ذلك لا يزال البعض عندما أتحدث عن ذلك السوق الشعبي البسيط والذي يقدم فى خدمات بوضعه المزري الحالي الذي لا يرضى مٍٍِِِْحبا ولا عزولا (رغم ذلك لا تزال له نكهته المميزة) يقدم خدماته إلى بسطاء الناس من المكافحين ورقاد الارياح والموالين والمزارعين ورواده من مختلف الأطياف الذين هم اغلبيه المجتمع اليوم (مزري لغياب أسس ألرقابه والتنظيم والإشراف من قبل السلطات المحلية التي لا توجد أصلا)، لا يزال البعض يًٍٍِِّحدثني ويقارن ذلك بـ الخدمات التجارية عن طريق  الانترنت فى بلدان العالم الأخر وهو يعلم ان هذا هدف من الأهداف التي نتمناها لبلادنا ولكننا نستحي فى الحديث عن ذلك فى مجتمع لا تتوفر فيه ابسط الخدمات من وسائل نقل عام ومواصلات.. وان تعطلت هواتفنا تستمر أعطالها لمدة لا يعلمها إلا الله والراسخون في شركات الاتصالات وهم يعلمون ويسمعون كثيرا عن تعطل منظومات المصارف ألحديثه ..مما جعل كلمة (منظومة) أكثر انتشارا بين البسطاء لان أصبحت لها علاقة بمرتباتهم وحساباتهم وهم لا يعرفون ما هي هذه (المنظومة) وكثيرا منهم يعتقدون أنها مصطلح جديد عن معنى الخزانة او المالية فقد كثرت واختلطت عليهم التسميات والمتغيرات وهناك من اعتقد أنها البديل عن (المراقب المالي) !!وهناك من يعتقد ان وراء هذا التعطيل مخابرات أجنبية لتدمير اقتصاد البلاد!!  ..   كما اننى استحى من الآلاف من أهلنا ومعلمينا ومعلماتنا الحرائر وأساتذتنا الأفاضل الاكارم العصارى الذين جْز بهم فى تجمعات للحصول على بقايا مرتباتهم ، استحى من الحديث أمامهم عن النظريات الاقتصادية والسياسات المالية وعن الـ  International Monetary Fund  وعن  ادم سميث وعن نظريات كنز وعن ألازمة المالية العالمية فى الثلاثينات وعن الأيام السود فى بورصة نيويورك فى الثمانينات وعن بورصات طوكيو ولندن وحتى بورصة بلادنا فى طرابلس، كما ان كثيرون من أهلنا لم يسمع  بمؤسسة بل وميلندا جيتس والتي أسسها ملياردير مايكروسوفت( بل جيتس)(Bill Gates )والذي يعتبر من اغني أغنياء العالم والذي تبرع أخيرا بنصف ثروته جهارا نهارا للأعمال الخيرية هذا المبلغ الذي لو حسبناه لكفى مرتبات الليبيين كلهم لمدة خمس سنوات!! ...وأنا اعلم واعرف وأكاد اجزم ان كثيرا من الليبيين أيام القطاع الخاص قد عملوا أكثر من ذلك حتى لا انتقص من حقهم..وهم مستعدون لفعلها من جديد لو حانت ألفرصه وحن الحنّان,,كما استحى من الكلام او الإشارة إلى تلك الكتب والنظريات والمحاضرات والمؤتمرات والندوات والدراسات التي لم تنعكس على حياه أهلنا فى الواقع بشكل اقتصاد مزدهر وإدارة حديثة وبنيه تحتية معقولة..كما استحى لأنها لم تنعكس واقعا فى معالجة مشكلة البطالة والتي تجاوزت أرقاما تعتبرها بعض الأدبيات الاقتصادية أرقاما كارثية ولم تفدنا فى معالجة مشكلة السكن التي لا تحتاج منا إلى أدوات اقتصادية لمعايرتها  والقاعدة تقول ان مقياس نجاح النظريات هي مدى نجاحها وانعكاسها على الواقع المعاش وإلا تبقى مجرد نظريات ..
  كما استحى فى الحديث عن ذلك أمام آسى حسن الذي يبيع العرعار وتفاح الشاهى والزعتر وحتى الشيح الذي يقوم قبل أيام الأحد والأربعاء والجمعة بجمعها من سفوح ومزارع وصحراء الجبل ويبيعها فى تلك الأسواق ،ليصلح بما يحصل عليه ، سيارته العتيقة..

 وطالما نحن لا نزال فى (التحتية) فلنتحدث عن سوق السعي العرعار والخروب وبال التبن والخبز اليابسة وسوق عجائز الجبل الذين ينظرن إلى هذا السوق على انه  ال Wall street متاع البيضاء وليس نيويورك ولهن كل الحق فى ذلك وهو المكان الذي يشكل لهن متنفسا وحيدا  والمكان الذي يلتقين فيه ويتحدثن بكل حرية عكس عجائز تركيا او مالطا وقد تصاب إحداهن بجلطة ان سمعنا كلمة إقفال هذه الأسواق  ..وان كان لدينا النية للإصلاح فلنبدأ من هناك حيث التجمعات الكادحة والشريفة والحقيقية وليس من أبراج عاجية!! وإلا سنظل هم فى مكان ونحن فى مكان ولن يطال احد أحدا..فالذي لا يستطيع ان يصلح الصغيرة فلن يصلح الكبيرة .
  أما النظريات الاقتصادية والسياسات المالية والكتب الاقتصادية فعند توفر الرغبة والنية للعمل بها فهي متوفرة ومنها الكثير ويمكن (قوقلتها من ال    Googleفي اى وقت ومن اى مكان وتحت اى عنوان ومن اى مؤلف) ولا يفتقر الوطن الى الخبراء الوطنيون بالخصوص كما ان تجارب كثيرا من الدول التي سبقتنا يمكن الاستدلال بها واستنساخها كما عمل الكثير من خبراؤنا فيما يخص المناهج والقوانين   والإدارة وغيرها بل لا تخلو بلادنا من هذه التجارب فى فترات سابقه بالخمسينات والستينات والتي بدأ البعض على استحياء فى العودة لها والاستدلال بها بدون طبعا ، كالعادة ، الإشارة إليها..
،اما عن ربط فهمي عن القطاع الخاص  بالسوق الشعبي فهذا تقوّل علي أيضا لا اقبله فهو اجتهاد خاطئ قد يؤجر عليه ولكنه غير صائب ،كل ما أردت قوله هو ان بذرة القطاع الخاص قادرة على الحياة حتى فى أصعب الظروف ولكن الاتجاه الاقتصادىء الخاطئ سينتهي حتما حتى لو تم دعمه بالمليارات والدعم الايديولوجى من طبالين يطبلون لآى شيء حتى لوكأن غير علمي وغير وطني؟
  وهناك من اشعر بأنه قد استكثر على ان أتحدث عن مدينتي وتخصصي الأول هو هندسة كيميائية   فسامحه الله على ذلك وهو يعلم انه لا يوجد تخصص للقلوب والمشاعر والأحاسيس والوجدان المشتعلة ، كما اننى لم أفتى ولم أكن ولا استطيع يوما أن أفتى على المذاهب الاربعه رحم الله الاربعه’!! ولا اعلم لماذا شخصنه المواضيع وخاصة وأنها فى قسم (وجهات نظر) فخذها او اتركها والنقاش فى الموضوع والنقد الادبى الموضوعي مسموح ,,ويمكنك حتى وضع مقال كامل عن ما يجيش فى صدرك من (مواضيع) موضوعية.. ولم أتطرق فى مقالاتي لأشخاص الا من اتفقنا على كونهم من الشخصيات العامة وفيهم نقول الخير او نصمت ولم اجرح فى احد وان شعر احد بذلك فهذا ليس مقصدي ألبته و كنت أتحدث عن السياسات وليس عن أشخاص  .   

   ..كما ان قدري اعرفه  ولم  ولن أتجاوزه بأذن الله بدون إشارة من احد  و أهل القدر والحكمة والتاريخ  والعقل والحق بالمدينة وفى بلادي يعرفونه ..  ووجهه نظري أقولها تحت أسمى وصورتي المتواضعة، ولك أن تنتقد الموضوع وبأي شكل تريد وكما تشاء ،ولكن بدون تجريح وبدون تقوّل أو استنتاج خاطئ؟؟.. فعلا كان ولا يزال فى نيتي  أن ألوم ولا اعذر ولا أجد عذرا لمن ادعى لنفسه مكانة علمية وشهادة عليا سعى لنيلها ولم يقل الكلام والرأي العلمي الصحيح الذي تستوجبه مكانته العلمية والذي يوجبه عليه تخصصه  وشرفه العلمي وشرف المهنة أمام متخذ القرار  بل كانوا يوما ما يطبلون ويهللون ويفتون فى مدى نجاح القطاع العام ومدى خدماته وانتصاراته وحتى ارباحه التي اخترعوا لها معادلات حسابية لا تتوافق حتى ما تعلموه من ابسط أبجديات الاقتصاد وعلم المحاسبة..ونسوا او تناسوا ان لكل خدمة او سلعه ثمنها وتكلفتها الحقيقية وسيحين يوما ما دفع ثمنها المؤجل ، وعندها حان ذلك وجدت الدولة نفسها مجبرة لا بطلة على الاستعانة بالقطاع الخاص والاتجاه الى الخصخصة فوجدناهم أيضا يهللون ويطبلون لذلك ..الا يستحقون اللوم والعتاب على الأقل؟..وهنا وفى هذا المقام أجد نفسي مكررا حكمة سيدنا على رضي الله عنه عن نفسه:
           والله ما ناقشت جاهلا إلا وغلبني ***وما ناقشت عالما إلا وغلبته
 واني استسمج قرائي وأهل بلادي ومدينتي كوني فعلت هذا وقلت ما قلت تحت هذا العنوان.



   

الأربعاء، 21 أغسطس 2013

 



 مفتاح بوعجاج
____________
لكي لا ننسى وللعبرة والاعتبار-1
   لاتنسوا ان اردوغان التركى هو احد الحائزين على جائزة القذافى (لحقوق الانسان) التى استلمها منه هنا فى ليبيا قبل الثورة  عدا ونقدا ...
كذلك من المفارقات العجيبة أن الكاتب الاسباني (خوان غويتيسيلو) رفض الجائزة الدولية للأدب التي  كان  يمنحها الدكتاتور  معمر القذافي ويشترى بها فى ذمم الكتّاب والشعراء  وقام بنشر رسالة الرفض  فى عام 2009 والغريب ان ما رفضها ذلك الكاتب الاسبانى الشريف ..قبلها الكاتب العربى المصرى جابر عصفور (اعتذر فيما بعد الثورة ) وهذه ترجمة لرسالة الاسبانى غويتسيليو:
"(تم إخباري في الشهر الماضي هاتفيا ثم عبر بريد إلكتروني لمعهد ثاربانتاس بمدينة طنجة، حول حصولي على الجائزة الدولية للأدب، التي تبلغ قيمتها المالية مائة وخمسين ألف 150.000 أورو. وكان الباحث المصري صلاح فضل، المتخصص في الدراسات الإسبانية هو محاوري في هذا الشأن. وصلاح فضل من الشخصيات التي تحضى باحترام كبير بين مثقفي بلده، كما أن قناعاته الديمقراطية لا تشوبها شائبة. وقد أثلجت صدري الأجوبة التي تلقيتها حول تركيبة لجنة التحكيم التي منحتني الجائزة وخصوصا رئاستها من لدن إبراهيم الكوني، الروائي الليبي الكبير القاطن في سويسرا. .
إن الدواعي الأولية التي منحت لي الجائزة على أساسها، في أول طبعة لها، تستحق بدورها نفس الاعتبار كما أنني تقبلتها بكامل الشكر. إن للأمر علاقة بالإبداع الأدبي والفني وبميولي الواضح نحو الثقافة العربية وبدفاعي عن القضايا العادلة. لقد أبلغت الدكتور صلاح فضل ما يلي: «إن استقامة وكفاءة جميع أعضاء اللجنة التي منحتني الجائزة لدليل قاطع على الاستقلالية التي كانت وراء اختيارهم. ففي الوقع، أُعد من بين الروائيين الأوربيين النادرين المهتمين بالثقافة العربية الإسلامية –وهو اهتمام أشمل به كذلك المجال التركي والإيراني- كما دافعت قدر استطاعتي عن القضية الفلسطينية تمشيا مع قرارات الأمم المتحدة، ونفس الشيء فعلت فيما يخص النضال من أجل الديمقراطية والحرية لدى لشعوب العربية المحرومة منهما بشكل تعسفي. إن كل هذا قد جر علي عداءات وتهجمات من قبل «مناصري النزعة الغربية" الذين لا حدود ولا شروط لهم في هذا، والرافضين العنصر العربي الهام (واليهودي) في اللغة والثقافة الإسبانيتين رغم كل الدلائل والوضوح التام للأمور. إن معرفتي المتواضعة للعربية المغربية الدارجة –والتي لا تقل ولا تفوق المعرفة التي كانت لدى رئيس كهنة هيتا– جعلتني أكتسب نظرة ثمينة مكنتني من فهم هويتنا الفريدة والمعقدة والمتقلبة، شأنها شأن جميع الهويات الثقافية الإنسانية المتفتحة والغنية".
ولكن مع ذلك...
وهناك دائما استثناء. إن القدر المالي المخصص للجائزة، أي 150.000 أورو، أتى من الجماهيرية العربية الليبية الشعبية، التي تم إنشاؤها سنة 1969 على إثر انقلاب عسكري قام به القذافي. فبعد مناقشة داخلية وجيزة، بين قبول أو رفض الجائزة، وكذا لأسباب سياسية وأخلاقية، قررت الاختيار الثاني.
وقد أبلغت الدكتور صلاح فضل الذي قلت له: «أرجوك أن تتفهم الدوافع التي أملت علي اتخاذ هذا القرار. إنني لست شخصا ينساق مع القضايا دون قيود أو شروط. ففي إطار احترامي الخاص للشعوب العربية ولثقافتها الرائعة، قمت دائما وكلما استطعت، بانتقاد الأنظمة الخاضعة لرجال الدين والجمهوريات السلالية التي تحكمها وتبقيهم في الفقر والجهل. إن مشهد الفراغ والعجز الذي بينته أثناء الاجتياح الهمجي الإسرائيلي لغزة قد أثار استنكاري كما أثار استنكار كل إنسان شريف. إن صعوبة التوصل إلى كيان المواطن هو السبب الرئيسي في الإحباط الذي يستولي عليها وفي احتمائها في صيغة متطرفة للعقيدة الدينية. وختاما: فإن الانسجام مع نفسي قد انتصر بشكل كبير على كل اعتبارات الامتنان والصداقة نحو أشخاص يتسمون باستقامة بالغة كتلك التي تطبعك وتطبع بقية أعضاء لجنة التحكيم".
لقد حررت هذه الرسالة دون توفق فشعرت بنفسي وقد تحررت إلى درجة قصوى من ثقل مضني. إنني ما جريت قط وراء الجوائز، وإن قبولي لها يكون دائما من باب التأدب مع من منحوها إلي. ولكن في الحالة الراهنة فإن الأمر مستحيل تماما، ويمكن أن أضيف في النهاية إن كل من إبراهيم الكوني والدكتور صلاح فضل قد تفهما مبرراتي كما أكدا لي اعتبارهما وصداقتهما الثمينتين".)
/ خوان غويتسيلو




الأحد، 18 أغسطس 2013






                                  حنين

بقلم: مفتاح بوعجاج    12/12/2010
تحدّث احد المثقفين المصريين أمام احد أعضاء الحزب الوطني المصري وكان الحديث عن فترة الثلاثينات والأربعينات وحتى الخمسينات وبشيء من الحنين. فرد عليه العضو غاضبا: أتريد ان ترجع بالبلاد خمسين سنة إلى الوراء؟ فقال المثقف بكل ارتياح: يا ريت!
ذلك الوقت لم نعشه ولكن سمعنا وقرأنا عنه ورأينا صوره واستمعنا إلى شعرائه وفنانيه وقرأنا أدب وروايات ذلك الزمن الجميل، وتفرجنا على حفلات كبار ذلك الوقت فكان فنا أصيلا وكلاما وشعرا ولا أروع وجمهوره المؤدب الوقور في جلسته واستماعه وذوقه وإحساسه وصدقه وحتى لباسه فكوّن ذلك حنينا ووجعا للماضي.
مكرم عبيد المناضل المصري الوطني المشهور وكان قبطيا مسيحيا ورفيق سعد زغلول في النضال في الثلاثينات والأربعينات. توفي في عام 1961 وأقيمت له جنازة وطنية حضرها كل الشعب المصري الذي لم يكن يفرّق بين مصري قبطي او مصري مسلم تطبيقا للشعار الجميل الذي رفعه المصريين بعد انفجار كنيسة القديسين في الإسكندرية "مسيحي، مسلم مش مهم....نحن مصريين في نفس الوطن ونفس اللهمّ". مكرم عبيد هو صاحب الكلمة التاريخية: إذا كانت المسيحية ديني، فأن الإسلام وطني.
السودان ومصر كانت دولة واحدة تحت تاج واحد وعلم واحد، بعدها صارت مصر دولة والسودان دولة وألان سيصبح السودان دولتين واحدة في الجنوب والأخرى في الشمال بعد اطول حرب في افريقيا تركت ندوبا وجروحا وتاريخا وقضايا، وما سيترتب على هذا الانفصال من تبعات سياسية واقتصادية واجتماعية ستضر الاثنين. ولا تزال دارفور في الطريق! ومع كل هذه اللالام وجد السودانيين في الشمال وقتا لجلد امرأة ارتدت بنطلونا امام العالم ادعاء بأنها خالفت الشريعة التي فصلّوها على هواهم وأفكارهم السطحية التي لم تحفظ وطنا فما بالك بنطلونا او شريعة.
الخرطوم كانت يوما مكانا للاءات العرب الثلاث بعد حرب الـ67، لا صلح، لا تفاوض، لا سلام حتى تخرج إسرائيل من الارض المحتلة، انقلبت اليوم إلى عكسها فأصبحت إسرائيل هي التي تقول لا لكل شيء والعرب يستجدون العالم ليضغط على إسرائيل كي ترضى بإعطاء الفلسطينيين ما يقل عن 20% من الارض التي اعطاها لهم قرار الامم المتحدة في عام 1948 ورفضوها فلم يعرف العالم ماذا يريد العرب، فتركوهم على هواهم فلم يأتوا لا بالأولى ولا بالثانية.
اما عن القدس فهي اليوم في وضع صعب تحت الاستيطان ويبحث الإسرائيليون عن هيكل سليمان فوق الارض وتحت الارض وشيوخ ومفتيو العرب تغاضوا اليوم عن مسألة القدس اولى القبلتين ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام إلى قضايا أخرى أكثر أهمية واقل تعبا والتزاما مثل هل يجوز للمرأة ان تقود السيارة ام لا؟ وهل ارتداء الجينز حلال؟ وهل يجوز للمرأة لباس القناع الواقي من الغازات وقت الحروب؟ وهل يجوز للمرأة ان تعمل بائعة او كاشيرة بالأسواق وهل الموسيقي والغناء حرام ام حلال والتي لو تتبعت ما يقولون فيها لوجدت الفتوى ونقيضها.
قادني ذلك إلى تذكر ذلك الرجل الذي قال له صديقه: اليوم رأيت خطيبتك مع الواد عبدالمعطي الميكانيكي اليد في اليد يتنزهون في الكورنيش... فرد الرجل غاضبا مستنكرا: الواد عبدالعاطي ده لا ميكانيكي ولا حاجة ولا بيفهم في الميكانيكا ولا بيعرف الميكانيكا..أوعي تصدّقه!
اليمن في صراع أخوي بين الشمال والجنوب رغم أنهم كلهم عرب ومسلمون وهنا تنتفي حجة السودان في ان الشمال عربي مسلم والجنوب افريقي مسيحي وديانات واللاديانات اخرى فما السبب يا ترى بالنسبة لليمن؟
لبنان، بلد الأخطل الصغير (بشارة الخوري) صاحب "سائل العلياء عنا والزمانا...هل خفرنا ذمة مذ عرفانا....المرؤات التي عاشت بنا....لم تزل تجري سعيرا في دمانا" قصيدة وردة من دمنا، في الأربعينات يتغنى بفلسطين وبلد الكتب والمجلات والثقافة، بعد مصر وبلد الحريات الدينية والشخصية وبلد فيروز سفيرة العرب كما يقال إلى النجوم. اليوم في صراعات طائفية وسياسية لم تنجه منها حتى الان، الا ما يتمتع هذا البلد من الحد الادنى من المؤسسات الديمقراطية التي لن تصمد كثيرا اذا ما استمر هذا الامر.
الصومال كانت دولة وألان صارت إلى كيانات هلامية متعددة تحارب بعضها بعضا بدون هدف او اتجاه ولم يعد للحديث معني؟
عندما انتهت المدة المتفق عليها بين الصين وبريطانيا على التواجد في جزيرة هونج كونج، قامت بريطانيا بتسليم الجزيرة إلى الصين وكانت هونج كونج بلدا ديمقراطيا ليبراليا ذا اقتصاد ليبرالي ناجح وكانت الصين بلدا شيوعيا منغلقا ذا اقتصاد متعثر ضعيف. فأتفق حكماء الصين على ان تحتفظ هونج كونج بنظامها الديموقراطي والاقتصادي وان تعود إلى الصين تحت شعار "نظامان ودولة واحدة" وبتتبع تاريخ الصين نجد ان اكبر دولة في العالم هي التي اتبعت اصغر دولة في النظام الاقتصادي وليس العكس ونجحت الاثنتان!
هكذا يبدو ان ما قاله المثقف المصري، صحيحا، فالماضي أفضل من الحاضر كثيرا والمستقبل مليء بالمفاجأت. أليس من حقنا في هذه الحالة ان نسأل لماذا واين وكيف، وان يعلو صوت اخر غير الاصوات والشعارات التي قادتنا إلى كل هذه الهزائم والانتكاسات وان نستعمل هذا الذي نحمله بدون ان يحملنا، العقل. والذي سيقودنا إلى ضرورة البحث عن وعاء يستوعب تناقضات المجتمع وتطلعاته وثقافاته واحتياجاته بحيث يتم الاحتفاظ بالوطن الواحد، وهي امور في الحقيقة موجودة في هذا الشيء السحري: الديمقراطية وتابعتها الليبرالية وتوابعهما عكس التزمّت والانغلاق والتعصب والرأي الواحد والشمولية والدكتاتورية، ويبقى الدين لله والوطن للجميع. والتاريخ والأمر أمامكم.
مفتاح بوعجاج
كاتب ليبي
                                                  جبل الثلج (2)                     
                                               ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
 مفتاح بوعجاج                                                (تم نشرها فى 11/11/2009)
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
     شئنا أم أبينا تظل الحضارة الغربية بكافة إشكالها المؤثر الكبير لكل فروع حياتنا(واعني بالحضارة الغربية هنا هي مجموعة السلوك والثقافات والتشريعات والأسس الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى هذا الكم الهائل من الإنتاج المادي والمعرفي وحتى الانساني) فهي التي أيقظت فينا هذا الشعور بأننا متخلفون فكريا وماديا وحدث هذا عند الصدام الحضاري الذي جاء نتيجة لانفتاح العالم وحدوث هذا الاتصال السريع الذي أربك حسابات من كانوا يعتقدون عندنا أنهم الأفضل والأحسن بل والأقوى حتى  ..ووجدوا أنفسهم في معركة غير متكافئة, سلاح الغرب كان هو ذلك البناء البديع والواقع المتين, وسلاحنا كانت الكلمة والحروف المسكينة التي لم تصمد أمام صمت في يده سلاح ..فأتى هذا السيل من الكتب والتحليلات والمؤتمرات والندوات والتصورات والاختلافات والاتفاقيات  التي غرقنا فيها ومللنا حتى الاستماع إليها  او قراءتها لأنها لم تثمر شيئا وأصبحت واقعا متكررا  لامناص منه ..ولعدم قدرتنا على الفعل تحولت معاركنا الى معارك كلاميه ظهر فيها الإطناب والسجع والمحسنات البديعية والبلاغية ومرورا بتلك الخطب الحماسية الترشيدية والتحذيرية فى الجوامع ومختلف المناسبات ومن على منابر الإذاعات و الفضائيات المختلفة  من فتاوى وفتاوى مضادة بدون أن تسفر حتى عن كيف يوقف هذا الفرد المخاطب سيارته بطريقة يحترم بها الآخرين فى الشارع المملوك من الجميع. وأصبح علم الكلام علما غزيرا عندنا لعله يٍغنينا عن ما عند الغرب او يقربنا الى ما هم فيه على الأقل لدرجه اننى سمعت أن  احدهم قد قام بتحضير الدكتوراه في حرف الهمزة  المسكين الذي لا يعرف ما يفعل إمام حاملة الطائرات الضخمة أو أمام صاروخ موجه او إمام مركبه فضائيه موجهه من الأرض ، واستمر ذلك البحث والتقصي لحرف الهمزة لأكثر من أربع سنوات بالتمام والكمال..كما قامت المعارك الطاحنة مع الأعداء فى الإذاعات  ومؤتمرات التنديد والاستنكار وأناشيد حماسيه وتأييدية يغنيها مطربين يرتدون أخر ما صنع الغرب ويركبون افخر ما صنع من سيارات وتتزين فناناتنا بأفخر المكاييج والألبسة و لازلنا نطرب ونعجب ويثور الدم في عروقنا عندما نسمع (آخى جاوز الظالمون المدى..فحق الجهاد وحق الفدى)لأحمد شوقي يغنيها عبد الوهاب التى  غناها فى عام 1948  ونفرح للوحدة العربية عندما غنى فريد الأطرش اوبريت(بساط الريح)لنكتشف ألان أن انتصاراتنا كانت كلاميه وان الوحدة العربية لم تتحقق حتى في ذلك الاوبريت الجميل اللحن والكلمات.
  بدأ الأوروبييون طريق وحدتهم فى الخمسينات بالاتفاق على إنشاء سوق أوروبيه مشتركة بعد الاتفاق على تأسيس مشروع الحديد والصلب (الجانب المغمور من جبل الثلج) والذي قادهم إلى تنسيق التشريعات والنظم فانتهت الإجراءات ألاقتصاديه الفعلية إلى أوربا الموحدة سياسيا اليوم...بينما كان الأمر عندنا فى العالم العربي والاسلامى بداية عاطفيه من فوق جبل الثلج فانتهت إلى لا شيء بل انتهت إلى عداوات وانقسامات ..كان الاتحاد السوفييتي دولة واحدة والدول الاوروبيه دولا عدة ..وألان الاتحاد السوفييتي دول عدة وأوروبا دولة واحدة ويرجع ذلك فى فرق البدايات فأحدهما بدأ من الجزء الطافي من جبل الثلج والأخر بدأ من الجزء المغمور.
      توقف او أوقف الاجتهاد فى اعتقادي بمجرد إن كمل الكلام وابتدأ العقلانيون فى مرحله  الدخول الى الجانب العقلي والعلمي (من أمثال ابن رشد وابن خلدون) وبدأت تهتز الكثير من القيم الكلامية ولم تستطع الصمود إمام المحك والاختبار العقلي والعلمي او بالأحرى الاقتصادي الطبيعي ..فأثر أهل الكلام السكوت والإسكات والاكتفاء بالسكينة تحت شعار توقف الاجتهاد وتوقف  عندئذ العقل العربي والاسلامى عن الاجتهاد والدخول فى مرحله الفعل حفاظا على تلك المكتسبات الكلامية وبدأ العقل العربي يكرر نفسه كلاميا بل بدأ يأكل فى نفسه كما يقال تحليلا  وتقلبا بطنا وظهرا واضحي التكرار سمة من سمات حياتنا بل وأصبح الكلام والتوجيه والإرشاد لا معنى له حتى في جوامع الله التي بح أأمتها فى الحديث عن الأخلاق والسلوك القويم واحترام الجار والكبير بدون نتائج تذكر على ارض الواقع ..ولا يزال العقل العربي والاسلامى متوقفا عند هذا الحد(يعرٌف بعضهم الحضارة العربية بالحضارة أو الظاهرة الصوتية) وحتى من جاسر وحدد الخلل من المثقفون والكتاب والسياسيون لم يستطع اى منهم تحقيق الوعي المنشود ولم يقدر على مقاومة هذا السيل العارم من النقد الظالم فأثر السكينة او شد الرحال للغرب .تأكيدا لما قاله سيدنا على ابن أبى طالب(والله ما ناقشت جاهلا إلا وغلبني..وما ناقشت عالما إلا وغلبته) ...لا اعتقد ان الحضارة الغربية عند بداية ظهورها فى القرن السادس عشر ميلادي كان لها هذا الحشد من الكلام والخطب والبحوث والأوراق والنقاشات عن الأصول والجذور والأقوال المأثورة  والتاريخ  فلم يكن لديهم أصلا فضائيات او قاعات مؤتمرات او حتى   إذاعات ولا كمبيوترات ثابتة او محمولة  ولا حتى شوارع او مدن كما هي اليوم ..لقد بدأت بعد كفاح ونضال تاريخي على ارض الواقع على الفقر الظلم والطغيان تمثلت فى الثورة الفرنسية التي قادها فلاسفة عصر التنوير التي نادت بالحرية والمساواة  والعدالة و ثورة مارتن لوثر في أوربا والتي  طالبت بفصل الكنيسة عن ألدوله  تحت شعار (ما لله لله وما لقيصر لقيصر)و(والدين لله والوطن للجميع)وبعدها جاء الاقتصاديون الامريكييون والانجليز من أمثال ادم سميث بمبادئ اقتصاديه واضحة وعملية وحافزة تشتمل على حوافز فرديه تؤدى محصلتها فى النهاية إلى مصلحة المجموع, مما أدى إلى حصول الثورة الصناعية والاقتصادية التي رفعت شعار بسيط يقول (دعه يعمل دعه يمر ) فى ظل تشريعات واستراتيجيات تسمح بحرية الاستثمار والعمل واحترام وحفظ الملكية الخاصة وفى نفس الوقت تحافظ على حقوق العامل والمستهلك وتعمل من خلالها ألدوله قاضيا عادلا بين الجميع لتنفيذ ما اتفقوا عليه فى العقد الاجتماعي.. ومرورا ببعض الشعارات اليسارية التي بدأت تذبل مع الزمن وكما قال تشرشل ما معناه(إذا لم تعجب بالشعارات اليسارية وأنت صغير فأنت لا تملك العاطفة ..أما إذا استمر ذلك مع زيادة السن ..فأنت لا تملك عقلا )..وذلك ردا على استفسار بسبب تغيير الايديولوجيه التي كان يعتنقها وهو صغير ).. وهكذا تم بناء البنية التحتية الاساسيه من إنسان حر وقوانين وتشريعات تنظم علاقة افرد المجتمع فيما بينهم وتنظم علاقة الإفراد بالدولة والدولة بهم وتم إرساء دوله العقد الاجتماعي على أساس الحريات ومتطلبات الإنسان الطبيعية الانسانيه  وبوضوح لا لبس فيه.(حوكم Bill Gates  الامريكى صاحب ومؤسس شركة Microsoft للبرمجيات منذ سنتان على تهمة خرقه لقانون منع الاحتكار الذي صدر فى بلاده منذ أكثر من مائتي عام ..مما يدل على وجود تشريعات تحمى المستهلك مع بداية النظام الرأسمالي الليبرالي)..وهذا الأمر هو الذي بدوره أدى إلى بزوغ الحضارة الغربية اى ان بناء الإنسان بطريقه صحيحة هو الأصل وبالتالي فأن هذا الإنسان المتزن والموجود فى دولة العدل والقانون الشرعي الطبيعي هو الذي أسس أركان الحضارة الغربية  التي نتمتع بخيراتها وإنتاجها الادبى والمادي والمعرفي سواء اعترفنا بذلك ام أنكرنا كما هي عادتنا.
هاهم أساطين وخبراء الاقتصاد عندنا لايزالون ينظرون إلى الجزء الطافي فوق المياه من جبل الثلج فبمجرد انفتاح اقتصادنا على اقتصاديات العالم الأخر يقومون  بالندوات والمؤتمرات واللقاءات وتشكيل اللجان تلو اللجان من اجل بناء وافتتاح سوق الأوراق المالية على غرار ( wall street ) وتناسوا ان هذا السوق ومثيلاته جاء فى أمريكا  و الغرب واليابان بعد ان تم تأسيس ألاف الشركات المنتجة للإنتاج الزراعي والصناعي والتقني والمعلوماتى وغيره خلال عشرات السنين وتكدس ذلك الإنتاج ليكون فائضا تجاريا اقتصاديا يربح من ورائه المساهمين اى ان هذه السوق جاءت فى اخر مرحله من  مراحل الإنتاج الفعلي كنتيجة  طبيعيه ولم تكن هدفا فى حد ذاتها ونحن صار عندنا أسواق ماليه ولا انتاج اللهم غير المصارف وشركات التأمين التي تدخل تحت بند الاقتصاد النقدي وبالتالي فاقتصادنا هو فى الطابق العلوي من جبل الثلج ..وهذا يقودنا الى ان الأزمة المالية العالمية جاءت عندهم فى الشق النقدي الورقي وليس فى الجانب الانتاجى فإنتاجهم  من جميع الأنواع مكدس ومتوفر ..اما الاقتصاديات المبنيه على الاقتصاد النقدي فقط فهي التي تتأثر أكثر من غيرها لعدم مقابلتها اى إنتاج فعلى ..وهذا انعكس على تأثير تلك ألازمه على نوعيه الاقتصاد فالأسعار عندهم هبطت وعندنا ارتفعت وخاصة فى سوق العقارات ومواد البناء.
صديق عربي قال انه تم إرساله للخارج إلى إحدى الدول الأوروبية للتدرب على وسائل الدفاع المدني التي تم شراؤها من تلك ألدوله وبعد الشراء والتوريد والتدريب على استعمال  تلك الوسائل اكتشفوا ان من ضمن وظائف تلك الأجهزة هى إعلان إنذار صوتي بحيث يتجه الناس إلى الملاجىء بمجرد سماعهم ذلك الإنذار الا انه قال تم توقيف تلك الأجهزة عن الاستعمال بسبب عدم وجود ملاجئ يتجه إليه الناس فى حالات الإنذار ..وهكذا كان النظر لأعلى جبل الثلج (الأجهزة والوسائل) ونسوأ قاعه( الملاجىء وما في حكمها).
      انا لا أريد ان اجعل من مقالي هذا  ومقالي السابق (جبل الثلج (1))بحثا علميا مليئا بالأرقام والإحصائيات والأسماء فالواقع يٌغنينا عن ذلك كما لااريد   استنساخ ما حصل عندهم لاختلاف الظروف رغم ان دولا شرقيه كثيرة من أمثال اليابان وكوريا استطاعت ان تهضم تلك الحضارة بل وتصبح منافسه لها ولا أريد أن ادخل فى موضوع سلبيات وايجابيات تلك الحضارة فهذا شأن أخر..ما أردت قوله هو إن  نُبصر وان لا نضيع السنين فى الشكليات, فقد مرت السنين ودورة التاريخ ونحن ندور حول تلك الحضارة واضعنا المدخل الحقيقي والعملي إليها بقصد او بدون قصد وما مدخلنا إلى ِِِِِِِِِِِالحضارة إلا ذلك المغمور من جبل الثلج.





سيكولوجية الانسان المقهور ..

 

.. حيث انه النصف الثاني من  بداية الثمانينات، كان الكثير من البحّاث يسعون الى تطبيق نتائج    التحليل النفسي 
 على الذات العربية والاسلامية ذات العقلية الخرافية والسلوك المنحرف . هذه  البحوث  جعلت هدفها ادراك التخلف الاجتماعي في جهة، ووضع اللبنات الاساسية لمدرسة التحليل النفسي للذات العربية والاسلامية من جهة اخرى ... وجاء كتاب الدكتور مصطفى حجازي الذائع الصيت والمشهور عنالتخلف الاجتماعي(مدخل الى سيكولوجية الانسان المقهور )(بيروت، معهد الانماء العربي، 1981….) كتابا مهما فى هذا الشأن..تذكرتّه اليوم وانا اراه ..مستشارا سياسيا للرئيس المصرى الانتقالى وشاهدت لقاءه الصحفى مع الاعلام..وعرفت الفرق بين اكاديمى واخر ورجال واخرون وكتب واخرى... اتمنى من القارئون والقارئات تنزيله فهو متوفر على الانترنت .
بعض من اسطره:
( من يثور لا يكتئب، ومن يكتئب يعجز عن الثورة ويحرم منها. ابتلاع الغضب والحنقي يتحول إلى الاعتداء أو التهديد يكون رد الفعل قي واحد من ثلاثة: القتال، الهرب، التجمد: fight, flight, freeze . الغضب هو التعبئة النفسية الضرورية لمد الكيان بالطاقة كدفاع حيوي وطبيعي، والرضوخ هو أحد تجليات التجمد الذي يشكل البعد الثالث للآلية الدفاعية الحيوية ضد الأخطار . غير أن نزوة الحياة تقاوم بشراسة ولو استكانت إلى حين ... بانتظار استعادة نزوة الحياة والوجود لنشاطها، عادة ما يتسرب العنف في مسارب جانبية، من ذلك ما يتكرر من احتقان وجود المقهورين بالتوتر وسرعة الاستثارة وردود الفعل الانفعالية المبالغ فيها مقارنة بما تستدعيه الوضعية الواقعية من ردود فعل. ومنها افتعال الأزمات والصراعات والنزاعات وتضخيمها، وتحويل صغائر الأمور إلى كبائر، وتوافهها إلى قضايا مشحونة ومبالغ فيها... وتظهر ميول التشفي وتبخيس الآخرين وإسقاط التبخيس الذاتي على الآخر. ومن ذلك تفشي ظواهر التطرف والفاشية التقليدية المتلبسة ظواهر الأصوليات والتعصب التقليدية. هدر الحياة يطلق العنان لنزعات الموت .أصعب وضعية بالنسبة إلى الإنسان المقهور هي مجابهة هدره بكل كثافته الوجوديةالتي تضعه أمام "ذعر الكيان" أو ذعر الخواء.... هذا الخواء الوجودي وذلك الفراغ واللاشيئية واللاقيمة تفجر أقصى حالات الغضب، والعنف المدمر يولد قلقًا يتعذرمجابهته إلا كلمحات أو خفقات سريعة سرعان ما تتلاشى . لا يمكن للإنسان المقهور تحمل واقعه الوجودي العاصف بسهولة ولمدة طويلة. وتتراوح الاستجابة الحيوية الطبيعية ما بين الانفجار الذي لا يبقي ولا يذر، وبين الانتحار الحامل دلالة تحطيم المرآة العاكسة لذعر خواء الكيان وفشله .تقوم الآليات بدور ترميم الواقع الذاتي واستعادة قيمة بديلة توفر التوازن. وهي حلول تسكينية وليست العلاج، تبقي القوى المولدة للاضطراب والقلق قائمة، تستنزفا لطاقات النفسية في إجراءات الحماية بدلا من توظيفها في البناء والنماء الكياني.والعديد منها يدخل في عداد آليات الدفاع العصابية من مثل إسقاط القهر على الآخرين. آلية الاحتماء بالماضي تظهر مع الهزائم الجماعية ... تغرق الجماعة في بطولات الماضي المجيد، ما يجعلها تعيش في وهم مستقبل ناصع. ذلك هو الهدر يكرر ذاته ما دام يصرف المرء عن صناعة مستقبله مستبدلاً به وهمًا مستقبليًّا .. ويشكل الاحتماء بالقدر المكتوب والامتحان والبلاء دفاعًا جماعيًّا آخر في مواجهة القهر... يتحول الأمر غالبًا إلى نوع من الفلسفة ترد الأمر إلى حكمة خفية وبالتالي يجب القبول الاستسلامي بها. يتواصل الهبوط اللولبي للهدر ليولد حالة تبلد وعطالة هي ذاتها مولدة لهدر جديد.والكلام أحد آليات التمويه. الثرثرة والإفراط في الكلام الفارغ الذي يدعي الامتلاء والأهمية، ولا يهدف إلا إلى تضليل الآخر حول القيمة الذاتية وأهميتها. وبمقدار ما يحتقن الغليان في النفوس تزداد اللغة عقمًا وينحسر نطاق الدلالة. هنا تتحول اللغة إلى أداة تزوير للوجود الذي يصل حد موت الكيان، ومن خلالها يعاد إنتاج القهر … )..جزء من الحل الذى يطرحه الباحث:
يستهل مشروع البناء الوطني باسترداد حق المواطنة لكل فرد وتصفية تفاعلات الهدرفي النفسية. فبعد رفع الطغيان يجري ترميم الروح الجماعية من أعطاب القهر. وكل الانقلابات والحركات التي غفلت عن هذه المهمة أعادت إنتاج الاستبداد ودفعت الناس للتحسر على الماضي. الاعتراف بالإنسان المواطن ودوره ورأيه ومشاركته الفاعلة فى اتخاذ القرارات التي تصنع المصير الوطني...هى اولى العلاج ..