بحث في هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 26 أغسطس 2013

         الربيع الصامت-1               6/12/2010

د.مفتاح بوعجاج






     يقال أن احد المعمرّين الطليان الذين استوطنوا ليبيا   او بالأحرى ارادوا الاستيطان في ليبيا أبان فترة الاستعمار الايطالي ، التقى في الفترة الأخيرة (بعد خروجه إلى بلاده ايطاليا بالطبع) ، التقى مع احد الليبيين في ايطاليا وسأله عن حال الزراعة في ليبيا ؟ فأجابه الليبي بأن الدولة الليبية عملت الكثير من المشاريع الزراعية فقاطعه الإيطالي قائلا :عندما كنا في ليبيا في العشرينات والثلاثينات عندما كنا نقوم بإنشاء المزارع وزرع الحبوب والأشجار، كانت هناك رياح جنوبية تأتينا من الجنوب وكانت إحدى المشاكل التي واجهتنا لتطوير الزراعة في ليبيا في ذلك الوقت هي تلك الرياح ولكننا خرجنا قبل وضع حل لتلك المشكلة وكان يطلق عليها السكان المحليون اسم (القبلي).. فماذا فعلتم بها بعدنا وماذا فعلت بكم؟.... (لا أجابة)...

    يبدو أنها في ذلك الوقت كانت رياحا فقط.. أما اليوم فهي رياح محملة بالاتربة مختلف الألوان والرمال وكذلك محملة بكافه منتجات الحضارة الحديثة من نايلون وبلاستيك وأوراق ومذكرات وبقايا امتحانات وكراسات وكتب مناهج تم إلغاؤها وما اكثرها وبقايا جوالات الأعلاف وأحيانا عبوات بلاستيكيه لمشروبات الكوكاكولا والبيبسي كولا وحتى السعادة الزرقاء التي قد تضرب وجهك إن لم تأخذ حذرك وخاصة وأنت تحاول ان تتمشى أخذا بنصيحة الطبيب في أن المشي قد يخفف الوزن.. ويخفف من الكولسترول في الدم.. فلا أنت تعرف ان تتقى تلك الأشياء الطائرة مع الريح أو أن تنظر تحت قدميك خوفا من ان تقع في إحدى الحفر الناتجة عن الحفريات المستمرة منذ أكثر من ثلاثين عاما في مختلف الاتجاهات وكافة التخصصات وخاصة وان الرؤية فى هذه الظروف لا تتعدى ذراعا.

   انني ما أردت بهذا إثارة الضحك بقدر ما يحزنني حال البيئة في بلادنا .. وما يحزن أكثر هو تعود الناس على مناظر تلك الجبال من القمامة وتلك الأراضي التي تم تجريدها من الغابات ومناظر أشجار الغابات التي أصيبت بالجفاف ، ، ،وجفاف وتلوث عيون المياه التي كانت تغذي قرى بكاملها من بشر ودواب (واسألوا أهل الذكر عن معطن سلوق( عين بلغرب) وعيون خارقه والبويضة والوسيطة وعين الجنين وغيرها الكثير). والتصحر الذي طال كل شيء وخاصة فى المناطق التي كانت معروفه فى بلادي بجمالها وغاباتها الخضراء وشجيراتها من بطوم وشمارى وعرعار(الشعرة) و غيرها من النباتات كما تم انقراض الكثير من الحيوانات البرية التي كانت تعيش فى هذه البيئة كالغزال والأرانب كما غادرت طيور النحل التي كانت تعيش في صمّ الجبال ولم يعد لها مكانا في تلك الوديان. فى جنوب الجبل الأخضر مناطق كانت تسمى (بالعقاير) والعقيرة هى منخفض كبير تتجمع فيه المياه لتنتج فيما بعد مرعى اخضر به كافة أنواع النباتات البرية وتصلح أيضا لزراعة الحبوب بأنواعها .. ذكر لى الكثير من المواطنين ان هذه السنة قد تجمعت بها الرمال بدل المياه او النباتات وهذا مؤشر على تغير سيء وسلبي لمسار البيئة.

       الآلاف من أشجار الزيتون والبرتقال والنخيل وأشجار الغابات والأشجار المثمرة الأخرى والغابات البرية من عرعار وخروب وشمارى وبطوم وما ينمو معها وبجانبها من نباتات بريه جميلة تم اقتلاعها.. وتم الزحف على الأراضي الزراعية ووصل التصحر إلى عمق الاراضى في الشمال. مياه المجارى بدأت تشكل انهارا تحرق الغابات وتلوث البحار وتخلق بيئة ملوثة للإنسان والحيوان والطيور.. لم تسلم المياه الجوفية والسطحية من تلوث مجارى البيوت العشوائية المجمعة في خزانات سوداء, في كتابها (الربيع الصامت)(Silent Spring) كتبت الكاتبة الأمريكية (راشيل كارسون)((Rachel Carson) والذي صدر منذ أكثر من أربعين عاماعن البيئة ويعتبر كتابها المذكور مرجعا علميا وأدبيا وكان له الأثر الواسع والعميق في لفت نظر العلماء والسياسيين والمواطنين إلى أهمية البيئة، كتبت تقول (كم أخاف ان يأتي الربيع القادم صامتا بلا طيور تغرد في الغابة، وتعج الصحراء بالجراد ويتشوه منظر النجوم والقمر).. 
      كتاب (الربيع الصامت) كتاب استقبلته حركات أنصار البيئة بفرح غامر إلا ان المستفيدين من دمار البيئة استقبلوه بفتور بل حتى بعداوة فى وقت كانت فيه البيئة علم غير منظور للناس .. حتى جاء الطوفان الذي بدأنا نشاهد بداياته ألان ، الظواهر البحرية الغير عادية (كظاهرة تسونامي)، كثرة العواصف التي تزداد عنفا والإمطار التي تتساقط فى مكان وتشح في مكان أخر حتى في البلد الواحد، بلادا بها ثلوج وبلاد أخرى بها نيران تشتعل..
      راشيل كارسن كانت كاتبة عاليه المعرفة فى التاريخ الطبيعي لمملكة الحيوان والنبات وكانت في ذات الوقت ناقدة اجتماعية ويعتبر كتابها أكثر الكتب تأثيرا والتي اعتبرته مجله (ديسكفرى) فى المقام الخامس والعشرين من بين أحسن الكتب لكل الأزمان. وكان لهذا الكتاب وما تنبأ به، تأثير ثقافي واسع أدى إلى الاهتمام بعلوم البيئة وإدخال المناهج التعليمية التي تساعد على جعل محور البيئة محورا إنسانيا تنمويا وطنيا لا يقل عن محور الصحة والتعليم فتأثرت مخططات مدنهم بوجود المساحات الخضراء وحتى الغابات داخل مخططات المدن كما جعلوا من ثقافة البيئة والمحافظة عليها جزءا كبيرا من مناهج التعليم والثقافة وحتى السياسة مما حدي بالكثيرين إلى تشكيل أحزاب ومؤسسات وجمعيات مدنية للمحافظة على البيئة ومنها أحزاب الخضر في أوروبا وامريكا كما تأثر الفن الغنائي والموسيقى بأعمال عن البيئة كانت لها ومازالت لها جماهيريتها مثل اغانى الفنانة جونى ميتشل (they took paradise and put a parking lot) في أغنية (big yellow taxi)(استبدلوا الجنة بموقف سيارات) وذلك تعبيرا عن الحزن لأنهم أزالوا جزءا من غابة هاواي وعملوا مكانها موقفا للسيارات .

    ألا ترون معي أن ربيعنا في الأعوام الأخيرة أصبح صامتا فعلا كما عبرت عنه الكاتبة بأقتدار .. وأرجو الله أن لا يكون التصحّر قد وصل حتى نفوس البشر ليفهموا ما أعني. وللحديث بقيه بأذن الله. 


                                                  الربيع الصامت -2                            8/12/2010
مفتاح بوعجاج

كم يحزنني ويحز في نفسي قول احد السياسيين الانجليز المطلع على أحوال العرب والذي كان ما يسمى بالمندوب السامي البريطاني لفترة زمنية ما في وطننا العربي ..قال (أن العرب ليسو أبناء الصحراء ..أنهم أبائها). وبغض النظر عن رأينا في هذا القول ومصدره الا ان الواقع والأرقام والحقائق على الأرض تقول فعلا ان.....الآلاف من أشجار الزيتون والبرتقال والنخيل تم تجريفها...مساحة الأرض الصالحة للزراعة فى ليبيا لا تتعدى 4% من المساحة الكلية و90% من هذه المساحة تقع في الساحل الشمالي ومنطقة الجبل الأخضر..والتي أصبحت تتحول تدريجيا إلى مباني أسمنتية سكنية وحتى خدمية وإدارية..

ذكر لي احد الليبيين الذين عاصروا فترة الاستعمار الايطالي ،أن الطليان اقروا في فترة استعمارهم لبلادنا، أن مباني مدينة البيضاء يجب أن تكون حدودها الغربية لا تتجاوز حدود ضريح الصحابي رويفع الانصارى حيث اعتبروا أن ما يقع غرب تلك الحدود هي من أخصب الاراضى الزراعية في المنطقة ..وفعلا لا زلنا نذكر ونحن صغار جمال هذه المنطقة الممتدة من غرب الضريح وحتى منطقة( ماسة) ومرورا بمناطق شاهر روحه والزاوية وبلغراء وفرشيطه والبلنج ونذكر جمال مزارعها وإنتاجها من الكروم والزيتون والقمح والشعير والحمص والفول والمنتجات البعلية علاوة على ما يتخللها من غابات جميلة تنبت تحتها كافة أنواع النباتات وكان في وسط هذه المنطقة شجرة خروبه مشهورة كانت تسمى (خروبة فرشيطة على اسم المنطقة التي تقع فيها) لكبر حجمها وغزارة إنتاجها وشكلها المهيب وظلها الواسع وتعدد سيقانها وعمرها القديم قدم المنطقة، وتميزها عن باقي الأشجار..وقد تحولت معظم هذه الاراضى اليوم إلى مباني وأزيلت تلك المزارع وتناثرت المباني العشوائية بشكل مزعج وسالت المجارى غربا وجنوبا وتغيرت المعالم الخضراء وكان أول شيء تم إزالته هي خروبة فرشيطة تلك التي كانت معلما وتاريخا بالمنطقة وقد كنت أول المتألمين لإزالة هذا المعلم الطبيعي عند عودتنا من الخارج فترة الدراسة الجامعية...

سهل المرج الزراعي والذي كان يطلق عليه (نطع المرج) لتشبيهه بالنطع الأبيض اى صوف الخرفان عندما ينضج القمح والشعير وتصبح بيضاء تتهادى سنابله الجميلة مع الرياح تراها عن بعد كأنها صوف ابيض نظيف ..بدأت تنمو عليه الأعمدة والمباني الخراسانية..هذا السهل الذي أراده المستوطنين والمستعمرين الطليان مكانا لتغذيه ايطاليا بالحبوب واللحوم..بدأت تغزوه المباني ليتحول إلى بيوت متناثرة بعد أن تم تقزيم أراضيه...معدل سقوط الأمطار كانت تصل في الجبل الأخضر إلى 600ملم وكان المتر المربع من المسطح يعطى عند تجميعه نصف متر مكعب من مياه الأمطار في الموسم الواحد على الأقل، وهذا ما تفطن أليه المستوطنون الايطاليين فعملوا على تجميع ما يسقط على البيوت من الإمطار في أبار بجانب تلك البيوت تسقيهم وتسقى حيواناتهم لطول العام..ونحن اليوم تركنا تلك المياه تذهب سدى وحفرنا الأرض على بعد مئات الأمتار أعماقها تصل اليوم إلى أكثر من 400متر لنرفع المياه من على ذلك البعد والتي أصبحت تتباعد وتغور يوما بعد يوم لنقوم كل فترة بتعميق تلك الآبار مما يدل على أن معدلات الخارج من المياه هي أكثر من معدلات الداخل مما جعل المياه السطحية تبتعد عن معدل التغذية الرطبة للأشجار والنباتات مما جعلها تجف وتعطش ويظهر شكلها بائس وكأن النار قد اشتعلت فيها ومن منكم يمر بالطريق الساحلي فليلتفت إلى أشجار العرعار بين الباكور ودرنة ويرى ما ذكرت ...

للأسف نقولها بكل صراحة ..لقد كان الايطاليون أكثر محافظة ومعرفة ودراسة لهذه الأرض وأكثر محافظة منا ، فقد منعوا بقوانين صارمة تربية الماعز او مرورها في مكان الغابات إلا بأذن ..كما كانت الشرطة الزراعية لديهم او ما يسمى(الفورستارى)من أكثر الجهات صرامة في تطبيق قوانين حماية الاراضى الزراعية والغابات ..وهذا ما شهد به أهلنا الذين عاصروا تلك الفترة...منطقة طرابلس والزاوية وتاجوراء كانت من أخصب الاراضى وأجملها في إنتاج البرتقال والليمون والرمان والهندي والعنب والزيتون والتي تحولت كلها اليوم إلى مباني خراسانية سيئة الشكل وارتفع بدل تلك الأشجار ذات الرائحة الجميلة البلوك الأبيض ..

ذكر لي احد كبار السن في منطقة ال26 غرب طرابلس فى طريق الزاوية ،أن مزرعة ماكان يسمى بمزرعة (الكونتيسة) بالقرب من مصنع المزارع سابقا والتي اختفت أثارها اليوم ..ذكر لي أن هذا المصنع انشىء أساسا لتصنيع وتعبئة البرتقال بالمنطقة وان هذه المزرعة التي تم تقزيمها والبناء عليها كانت تقوم بتوريد كميات البرتقال لمدة شهر كامل لذلك المصنع والذي توقف عن العمل منذ تم تصفية شركة المعمورة للمواد الغذائية والتي كانت من أفضل وأحسن شركات الصناعات الغذائية في ليبيا وأصابها ما أصاب الكثير من شركات القطاع العام الناجحة...عندما تمر على مناطق الخمس ومصرانه ترى جذوع النخل مرمية كما ترى أشجار الزيتون وقد تم إهمالها وقد تيبس الكثير منها لتكون سهلة الاقتلاع ليرتفع مكانها مخزنا أو مبنى أو دكاكين لا يتوفر فيها حتى مقومات المعمار الجميل ..إما عن بنغازي فحدث ولا حرج والتي بدأت بإزالة شجرة ميدان الشجرة ليتحول إلى ميدان اسمنتى بجدارة ...

نحن بهذا لا نستعرض هذا الأمر لنكشف عن السلبيات فقط بل لنعود بالوعي البيئي والزراعي إلى أصوله ،حيث أن كثير من البديهيات بدأت تغيب وبدأ يحل محلها فكر تجارى اسمنتى متخلف بدأ يزحف على عقولنا وأرضنا ليحولها إلى صحراء جرداء لا تسر الناظرين ولا تؤنس السامعين ووصل إلى تدمير حتى ما قامت به المشاريع الزراعية في بلادنا..كما بدأ هذا الخراب البيئي يؤثر على البيئة بشكل عام فالمياه مهددة بالتلوث والأرض الزراعية بالنقص وتحول ما تبقى منها إلى ارض صحراوية ونقص المطر لما للمطر من علاقة عكسية بتوفر الغطاء النباتي وكذلك نقص الإنتاج وزيادة الاعتماد على الخارج..

يساوى لتر الوقود(البنزين) عشرون قرشا ووصل لتر زيت الزيتون اليوم إلى سبعة دينارات وهذا يعطينا مؤشرا على أن نقوم بإزالته لهو أثمن مما نعتمد عليه وخاصة وان كل جزء من بلادنا غربا وشرقا وجنوبا تصلح لزراعة الزيتون والتي تصلح زراعتها في بلدان حوض المتوسط(اسبانيا،ايطاليا، اليونان،تونس) وبإمكان ان تكون ليبيا من انجح الدول فى هذه الزراعة التي بدأ الاحتياج إلى زيتها عالميا يزيد يوما عن يوم لفائدته الصحية والغذائية فهو أعظم زيت نباتي على الإطلاق ويباع في بعض الدول في الصيدليات لندرته وارتفاع سعره...كل هذا الأمر يحتاج إلى سياسات زراعية واقتصادية ووطنية واضحة والاستفادة من التجارب الزراعية السابقة في بلادنا وأهمها هو المحافظة على أرضنا الزراعية والغابات والمياه بشكل يحفظ البيئة ألطبيعيه ( والعبرة دائما بالنتائج وليس بالكلام اى كميات الزيت المنتجة وما هو ترتيبنا في إنتاجه) حتى لا نصل إلى مرحلة الربيع الصامت بل نتجاوزها لا قدر الله إلى مرحلة اللاربيع على الإطلاق ..

وللحديث بقيه بأذن الله.
                                            الربيع الصامت -3                                         9/12/2010
مفتاح بوعجاج

في الأيام الماضية كنت وبعض الرفاق في زيارة لمنطقة في جهة أمساعد قريبة من حدودنا الشرقية(قريبة من البردي) (منطقة عيت حبون)(وردني تعليق من السيد بوبكر بلال الحبونى بأن اسم المنطقة هو شمّاس)..منطقه اشتهر أهلها بالكرم والطيبة والأصالة والفزعة والجهاد والصبر ...وكم تألمت لحاله تلك البيوت المتناثرة بدون أدنى ترتيب والتي تكاد ان تطمرها الرمال نتيجة الرياح المحملة بالأتربة والرمال والتي تكاثرت على بلادنا فى الفترات الأخيرة وكأنها تريد إعلامنا بشيء ما .. وكم تألمت لاحتياجهم وحاجتهم للمياه وخاصة وان الحلول على مرأى عين منهم.. وكم تألمت لمنظر تلك الأشجار الميتة(معظمها أشجار تين) وهى واقفة بعد ان صارعت البيئة والجفاف سنينا...كنت فى زيارة تعزيه فى حاله وفاة نتيجة حادث على نصف الطريق العام الرابط بين طبرق وامساعد ويمر بتلك المنطقة والذي لا يوجد به أدنى مواصفة لطريق في القرن الواحد والعشرون....تشعر شعورا أكيدا ان بناء البيوت يتم بطريقة عشوائية بدائية كما هو الحال ألان في معظم المناطق خارج ما يسمى بالمخططات وفى عموم ليبيا شرقا وغربا وجنوبا...وعليه تجد خيوط الكهرباء تذهب فى كل اتجاه متتبعه تلك البيوت المتناثرة وكأنها سقطت من السماء .. كما تجد تلك الطرق الصخرية تلتوي فى كل اتجاه متتبعه البيوت أيضا ...(وهذا ماتوصلت اليه حلول الناس فى غياب التخطيط والخدمات الأساسية)..

قد بكون مجموع السكان فى تلك المنطقة لا يتعدون الألف او العشرة ألاف او حتى المائة الف ..ما العيب وما الصعب فى تخطيط مدينة عصريه ذات شوارع فسيحة قابلة للتوسع تلم شمل تلك البيوت المتناثرة ليسهل توصيل الخدمات إليها مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي وعمل محطة تحليه مياه البحر القريبة وزراعة أصناف من الأشجار قادرة على تحمل أجواء المنطقة وكذلك إنشاء مدارس مهنية وتخصصية وغيرها وكل الخدمات التي تحتاجها المنطقة بشكل اقتصادي واجتماعي وامني سليم ..ولو اتبع هذا النهج لتخلصنا من طريقة هذا البناء المتناثر والمزعج والذي انتشر فى عموم بلادنا والذي يعطى انطباعا مغلوطا بأن سكان بلادنا قد يفوتون الستون مليون بدل الستة ملايين نسمة علاوة على ما يتكبده قطاع الخدمات من خسائر وتعب وجهد فى حالة توفر النية لتوصيل الخدمات للناس.

هناك مدن عالمية يصل تعداد سكانها بالملايين (حاضرة لوس انجلوس أربعة عشر مليون نسمة، طوكيو ثلاثة عشر مليون نسمة، هناك مدن بالصين لا يزيد عدد سكانها عن ستة ملايين تكاد لا تراها على خريطة دولة الصين) والأمثلة كثيرة تدلنا على انه بالإمكان جعل كل سكان ليبيا الواسعة يسكنون مدينة واحدة بشرط أتباع النسق الحضاري الحديث فى التخطيط والبناء والحياة والتحضر..وهذا يجعلنا متفائلين في ان الحلول لمشاكلنا متوفرة وبالإمكان الالتجاء لتلك الحلول بشرط توفر النية الصادقة والعزيمة وفوق كل ذلك الشعور الوطني الخلاق والتخطيط السليم. إن طريقة بناءنا المتناثرة ألان هي خاطئة ما فى ذلك شك لما لها من تأثير بيئي خطير(فكل بيت يقوم بصرف مياه الصرف مباشرة فى التربة) علاوة على تشتت الجهود في إيصال الخدمات المعيشية والتنموية ناهيك عن الشكل المعماري الملوث والمبعثر ...والأخطر هو ماتنتجه هذه العشوائيات من مخرجات سيئة بعيدا عن خدمات التعليم والثقافة والأمن والخدمات العامة لو استمر الحال هكذا.

لو اتخذت هذا المثال معيارا لرأينا ذلك واضحا فى مدن امتدت بطريقة عشوائية فى مناطق الجبل الأخضر والمنطقة الوسطى وتاجوراء وصبراتة والزاوية وبنغازي ومعظم مناطق الساحل الليبي ومناطق الجنوب الليبي ،ورغم اننى لا املك إحصائيات علمية عن نسبة العشوائيات فى بلادنا إلا اننى أكاد اجزم ان نسبة العشوائيات فى بلادنا قد تجاوزت نسبة المخططات ...وهذا أمر خطير سينتج عنه الكثير من الانفلات الامنى والاجتماعي والحياتي والبيئي والاقتصادي والتعليمي كما حدث ويحدث في بعض دول العالم التي سبقتنا فى هذا المجال اى مجال العشوائيات وتركت الأمور تجرى على عناتها بدون تخطيط كما يحصل فى عشوائيات مصر والبرازيل ومعظم دول أمريكا الجنوبية والهند وبنغلاديش وغيرها رغم الاختلاف فى ظروف هذه الدول وظروفنا ،فظروفنا ممتازة وعددنا بسيط وإمكانياتنا والحمد لله جيدة وبلادنا واسعة فما السبب يا ترى؟ وليس هناك مبرر على الإطلاق لنرى فئ بلادنا ظهور إنتاج العشوائيات من ظواهر اجتماعيه سيئة وغيرها من ظواهر سلبيه لا يمكن معالجتها بسهولة فيما بعد.

وعندما نتحدث عن البيئة فأنا دائما أقول لنفسي لماذا هذا الإصرار العنيد والمستمر على ان نقوم بإزالة كل الغابات الاراضى الزراعية حتى داخل مخططات المدن ؟؟لماذا لا تبقى تلك الغابات والوديان الاراضى الزراعية حتى داخل محتوى المخططات مع بذل الجهد الهندسي والمعماري في الملائمة الجميلة بين المخططات وتلك البيئة,, بدل إزالتها لكي ترى ذلك الجهد الرائع فى ظهور مخططات خضراء جميلة كما يحدث فى مدن العالم المتحضر مع العلم بأن القاعدة الأساسية فى علوم تخطيط المدن تقول بضرورة وجود ما لا يقل عن 30% مساحات خضراء داخل المخططات.

ان وجود مخططات خضراء وسط المخططات الإسمنتية لها تأثير على نفوس وصحة البشر ويحضرني فى هذا المجال قصة الشاعر الاعرابى( على ابن الجهم ) عندما قدم على المتوكل العباسي من الصحراء حيث كان يعيش فى بيئة صحراوية جافة فقال للمتوكل وهو فى بغداد حاضرة زمانها، أبياتا شعرية يمدحه فيها:

أنت كالكلب فى حفاظك للود *** وكالتيس فى قراع الخطوب
أنت كالدلو لا عدمناك دلو ***من كبار الدلا كثير الذنوب

فتقافز الحراس لضرب وإيقاف الشاعر عن قول هذا الكلام حيث اعتبروه اهانة للخليفة ،،الا ان المتوكل العباسي أمرهم بالتوقف وذكرهم بأن الرجل قد مدحه بأحسن شيء كان فى بيئته وان المعنى مدح وخير الا ان التعبير كان مستهجنا وقبيحا فى حاضرة بغداد وان هذا الرجل لديه موهبة الشعر ولو تحضر لكان له شأن أخر فى الشعر...وفعلا أقام ذلك الرجل فى بغداد المدينة حاضرة زمانها مدة من الزمن فرقّ شعره وحسنت ألفاظه وصارت نفسه جميلة وتعبيره أجمل فقال أجمل قصيدة فى المدح:

عيون المهى بين الرصافة والجسر*** جلبن الهوى من حيث أدرى ولا ادري

الى بقية القصيدة...

ويقال ان المتوكل عندما سمع ذلك قال :لقد خشيت عليه بعد ذلك أن يذوب رقة ولطافة...

كما يحضرني فى هذا الأمر قول زائر عربي عندما حضر معي إحدى الندوات الشكلية التي تقام من اجل البيئة والتي تنتهي عادة بتوصيات متكررة مثل ضرورة الاهتمام ودعم وغيرها من المصطلحات التى مللنا سماعها وتوزيع ملصقات لا يقرأها احد، قال ردا على اقتراح احدهم بتشكيل (جمعية أصدقاء البيئة فى بلادي) وذلك أسوة بما يحدث فى بلاد الفرنجة (كتقليد لما يحدث فوق جبل الثلج). وكان قد شاهد الكثير من بيئة بلادنا.قال: اقترح عليهم ان يكون مسمى الجمعية هو جمعية(أعداء البيئة) فالبيئة فى بلادنا لا يمكن ان يصادقها احد. 

و للحديث بقية... 


 
                                           الربيع الصامت -4                                    11/12/2010
مفتاح بوعجاج


لم أكن في الحقيقة متفائلا كثيرا فى كون ما تحدثت عنه فى ما كتبت عن البيئة في (الربيع الصامت-1،2،3) قد يثير انتباه احد ، وكانت ادني طموحاتي في ذلك هى كونني قد قلت شيئا في هذا الموضوع لعله يََُكتب في ميزان حسناتنا يوم نحتاجها أو ليكون عذرا يتيما أمام أجيالنا أو يصادف أذنا أو عيونا أو قارئا أو مسئولا توقفه كلمة او كلمتان مما قلنا ويكون حبيبا أو لبيبا ليقف أمامها لحظات أو دقائق من وقته الذي يقضيه فى تنظيم المؤتمرات والندوات والأوراق والجري وراء لقاءات المنظمات والهيئات الدولية والعالمية لمناقشة الاحتباس الحراري الذي لسنا من مسببيه (يهمنا طبعا، ولكن كما يقول أهلنا شوكة العين قبل شوكة الكراع) أو قضية غابات الأمازون او قضايا زمباويه، ليتفكر وتصيبه ذرة صغيره من ضمير تكلس ومخا استصغر فى ما يخص الوطن وكبر فى ما عداه،ويصيب عقلا لا يزال به متسع بسيط لهموم هذا الوطن الأخذة في الاتساع بدون توقف وبكافة الأشكال والألوان وليس ذلك ناجما عن اتساع هذا الوطن أرضا وجغرافيا وقلة عدد سكانه الذين لا يتجاوز عددهم ان تم حصرهم تعداد قرية من قرى الصين أو مدينة صغيرة فى الولايات المتحدة أو حيا من أحياء طوكيو..وإنما نجم عن الإهمال واللامبالاة وغياب بديهيات أصول التنمية الحقيقية للأرض والبشر والحجر.

إلا اننى فوجئت بهدية بسيطة من أخوة لنا لا يزال ينبع حب الوطن بقلوبهم ، هي تكوين موقع على الفيس بوك تحت اسم (أصدقاء البيئة في ليبيا) وكانت كلمة جميلة ومؤثرة في خاطري من (أصدقاء البيئة فى ليبيا) كون مقالاتي التي أشرت إليها أنفا كانت حافزا رئيسا ومشجعا لهذا الأمر، فهنيئا لوطني بهؤلاء الأخوة الذين أصبحوا اصد قاءا لنا ، وهو النوع من البشر الذي بدأ ينقرض وتحل محله تلك الديناصورات الصفراء التي عاثت في أرضنا وغاباتنا فسادا بعد ان غابت ثقافة تنمية الوطن التي تجعله اله بناء وليس مسح الجبال والغابات والأشجار..وبشرا آخرين شاركوا في إزالة برتقال وليمون وزيتون ونخيل الوطن.

اكتشف اليابانيون أخيرا أنهم قد تحولوا من بلد زراعي بالكامل إلى بلد صناعي..واختفت الزراعة التقليدية التي كانت تعيش عليها هذه الجزيرة البعيدة لسنين طويلة واختفت معها التقاليد والأخلاق الزراعية (إن صح التعبير).. فهاهم اليوم يعودون إلى الزراعة التقليدية خاصة محاصيل الأرز وهاهم ألان يحولون جزءا من مبانيهم الإدارية وأسطحها بعد ان ملئوها بالتربة الصالحة للزراعة ويستقطعون جزءا من وقتهم الثمين لزراعتها وريها والاهتمام بها بل المنافسة بين الشركات والمدارس لمن يقوم بالأفضل في هذا المجال ذكورا وإناثا صغارا وكبارا..ويقومون بهذا الأمر ، بينما نحن أزلنا الكثير من التربة الزراعية الخصبة الحمراء التي ترسبت خلال ألاف السنين والطمي فى سهل المرج العظيم سهل سيرانايكا لبناء وحدات سكنية نحن فعلا فى أمس الحاجة لها بعد ان سهونا سنينا عن الزيادة السكانية بأيديولوجيات تخلت عنا وتخلينا عنها عندما الحّت الحاجة على الواقع الملموس ..وعلى بعد كيلو مترات أسفل الباكور غربا وحتى قريبا من بنغازي لو بحثنا بعناية لوجدا متسعا وأرضا واسعة كثيرة تصلح للبناء أكثر منها للزراعة وأبقينا على سهل المرج منجما زراعيا لنا ولأجيالنا فى المستقبل...

التصحر كان يقع أكثر من 150كيلومتر من البحر جنوب الجبل الأخضر واليوم وصل التصحر وعلاماته إلى وادي الكوف وإحدى علاماته اختفاء شجر البلوط والشمارى وتفاح الشاهى والزعتر و جفاف وتيبّس شجر العرعار(الشعرة) والتي كانت يوما ما تنتج مادة(الزنباع) التي تغذى عليها أهلنا أيام الجوع غداءا واستعملوه دواءا ولا يعرف أحدا كيفية استزراعه فلا يكفى زرع بذوره وإنما يجب معالجة بذوره معالجة كيميائية خاصة لتنمو ولم احصل حتى ألان على معرفة كيفيه هذه المعالجة ولهذا فهي من الأشجار التي لا تتوالد تلقائيا ولا يمكن تعويض ما يموت منها مثل الخروب او الشمارى او البطوم ..واختفت الكثير من الحيوانات والطيور البرية التي كنا نراها ونحن صغار كالأرانب والغزال ومعظم أنواع الطيور البرية وعلى رأسها (القنبرة) أو (القنبيرة) والتي تعتبر من الطيور الصابرة التي تتحمل الجفاف والحياة الصعبة والبيئة الوعرة واختفائها دلالة واضحة على أن البيئة قد أصبحت غير صالحة للعيش ... في الولايات المتحدة الأمريكية عبارة مكتوبة في إحدى المنتزهات الطبيعية تعتبر ميثاقا لزائري تلك الغابات والمنتزهات : don't take nothing but photos,,,and don't leave nothing but footprints. 

البيئة اليوم هي عنوان لكل شيء وأصبح لها علاقة مباشرة بحياة وصحة الإنسان النفسية والعضوية،، وهى ليست فقط فى منع استعمال شكاير النايلون او استصدار شهادات استيراد الأدوية الزراعية ومواد النظافة ، إنها عنوان حياة لكل ما حولنا ،، ولهذا فأن أولى الخطوات هي غرس الوعي البيئي عند أبناءنا بإدخال مناهج وثقافة البيئة لدى أطفالنا فى مدارسهم وإدخال الرؤى الجمالية للغابات والمياه والأنهار والأشجار والطيور الى أمخاخهم الصغيرة ليحترموها ويعشقوها كبارا..كان اكبر مبيعات لكتاب فى الغرب فى السبعينات وأصبح كتابا كلاسيكيا لديهم هو كتاب (the jungle book) والذي حولته شركة دزنى لاند إلى فيلم كلاسيكي خرجت منه شخصية (موكلي) الذي يعرفه كل صغير وكبير فى عالمهم وهو الشخصية المحورية فى ذلك الكتاب حبيبا وصديقا ومدافعا عن الغابة ومخلوقاتها من حيوانات وطيور وجبال وانهار ..والذي أصبح رمزا للدفاع عن البيئة وجمال وتبيان مدى أهمية البيئة ولا يقل الدفاع عنها دفاعنا عن الوطن..

للحديث بقية..