بحث في هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 21 يوليو 2022

الملك إدريس والأحزاب السياسية :

عن هذا الارمر كتب الباحث الاستاذ يوسف عبد الهادي :
 
       انتقد كثير من النشطاء والمحللين السياسيين بعد ثورة فبراير عملية حظر الملك إدريس للأحزاب والجمعيات السياسية بعد الاستقلال بدون أن يدروا ما هي الأبعاد الحقيقية لهذا الموضوع.
ان جميع من عايش تلك المرحلة وعاصر ظروفها يعرف جيداً أن الملك الراحل رحمه الله لم يتدخل في وضع الدستور الليبي على الإطلاق, ويعرف أيضاً أن الدستور لم ينص صراحة على السماح بتشكل الأحزاب ولكنه ترك الباب مواربا بضمان حرية الفكر وحق الإعراب عن الرأي, وكذلك حق تكوين الجمعيات والتجمعات السلمية وعزز ذلك بضمان عدم تنقيح المواد الخاصة بالحريات والمساواة التي يكفلها هذا الدستور. ومن الجدير بالذكر أنه تظافرت عدة عوامل وأراء لتكون هي السبب الحقيقي الذي دفع برجال الجمعية الوطنية التأسيسية إلى تجنب مجرد مناقشة وضع نصوص دستورية تسمح بتشكيل أحزاب سياسية آنذاك.
ومن الجدير بالذكر أيضا هو أن الملك إدريس لم يكن يعارض فكرة قيام حياة حزبية في البلاد بشكل مطلق -وان كان في قرارة نفسه لا يعتقد بجدواها- ولكنه كان يؤمن إيمانا جازماً بان الوقت لم يحن بعد لقيامها والعمل بها, وربما معه كل الحق في ذلك, فالشعب الليبي ضئيل العدد, محدود التعليم, وفي بلاده المحدودة الموارد لن يفلت بالتأكيد من أن يُطحن بين فكي رحى الأحزاب المتنافسة, وأي أحزاب ؟, إنها تلك الأحزاب (المؤدلجة) القوية التي كانت تسيطر على الساحة وعلى عقول النخبة المثقفة في ليبيا منذ مطلع الخمسينات, والتي لا يوجد فيها حزب واحد مؤسس على فكرة الوطنية. وباختصار, لقد كانت مخالب القوميين والبعثيين والشيوعيين في داخل الوطن وأدمغتهم المحركة في القاهرة وبغداد وموسكو.
   ويورد السيد "وهبي البوري" في كتابه (ذكريات حياتي) واقعة حضور وفد مؤتمر طنجة للأحزاب السياسية المغاربية الى ليبيا, وبالرغم من أن ليبيا لم تشارك في ذلك المؤتمر لانعدام وجود أحزاب سياسية فيها, إلا أن المؤتمرين قرروا المجئ إلى ليبيا وعرض أفكارهم على الملك الذي "رحب بهم وأحسن استقبالهم, واستمع باهتمام إلى ضيوفه وشجعهم على المضي قدما في رسالتهم النبيلة, ووعدهم بان تلحق بهم ليبيا عندما يحين (الوقت المناسب) وتتكون فيها هذه الأحزاب, وغادر الضيوف بعد أن تناولوا مع الملك طعام الغداء". أهـ
وباستقراء أسماء ذلك الوفد وسيرتهم الحزبية سنرى أن أولئك لم يحققوا في بلدانهم شيئا ذا بال طيلة الخمسين سنة الماضية سوى محاولة الإقصاء الوجودي والسياسي لخصومهم من الأحزاب والمنظمات السياسية الأخرى.
لقد أيقن الليبيون بمرور الأيام وبالتجربة أن (عاهلهم) لم يكن شغوفاً بالسلطة, ولكن الرجل عايش تجربة الحياة الحزبية المصرية عن قرب, وشهد عروضها على مسرح السياسة في المهجر, وأيضاً فهو لم يزل ماثل بين عينيه شبح التجربة (المأساوية) للحياة الحزبية في طرابلس في فترة ما قبل الاستقلال, والتي شرذمت الإقليم الغربي من البلاد وأضعفت كلمته, بينما اقتطفت برقة ثمرة خطوة إدريس السنوسي الجريئة والقاضية بحل وحظر النشاط السياسي لجمعية عمر المختار وأية هيئات سياسية أخرى في الإقليم, وحصر ذلك النشاط في (المؤتمر الوطني البرقاوي الموحد), وهو ما جعل برقة في موقف القوة في عيون اللجنة الرباعية والمراقبين الدوليين.
نعم, لم يكن يشغل فكر إدريس السنوسي بعد الاستقلال سوى شئ واحد فقط , وهو بناء بلاده وتوفير الحماية لها, ومن ثم راحة شعبه الذي أرهقته السنون, ولا سبيل إلى ذلك في بلد محدودة الدخل ومعدومة الموارد, إلا بالسير في نهج التحالف مع الدول العظمى بعد أن تنصلت منها شقيقاتها وجاراتها. فلو سمح إدريس ونظامه بتشكل الأحزاب قبل بناء الدولة لخر السقف من فوقنا, ولوقعت البلاد -بدون شك- فريسة المزايدات الرخيصة لتلك الأحزاب المفترضة, ولَمَا وُضع في ليبيا حجر على حجر, فضلا عن أن تُبنى البلاد بتلك الوتيرة المتسارعة بأقل الإمكانات وتحت أقسى الظروف, وهو ما حدث بحق في سنوات عهد الاستقلال المعدودة, وبالطريقة التقليدية, وهي أن تؤسس حكومة للحكومة التي بعدها مهما قَصُرَت مدة أي حكومة.
  وفي حديث لي مع الباحث والمؤرخ الأستاذ سالم الكبتي سألته : هل تعتقد أن حل ومنع قيام الأحزاب السياسية في ليبيا كان مثلباً حقيقياً في سياسة الملك إدريس ؟, فقال لي: "أنا طرحت سؤالك هذا على المرحوم السيد حسين مازق رحمه الله فأجابني قائلا:
لقد طرحت هذا الموضوع على الملك رحمه الله, واقترحت عليه أن نبدأ الحياة الحزبية في ليبيا بتجربة نظام الحزبين (الحاكم والمعارض), فقال لي الملك :
"يا سيد حسين اضمن لي شيئا واحدا وأنا ليس لدي مانع في ما تقوله أنت الآن, ألا وهو عدم وقوع أياً من هذه الأحزاب فريسة لتأثير دولة خارجية". أهـ
  لم يُعبر الملك إدريس بقوله هذا عن أوهام يتخيلها, أو هواجس تعتريه, بل إن ما يتخوف منه الرجل قد شُرَع فيه فعلا, وستتملكك الدهشة مثلاً وأنت تقرأ في كتاب (حقيقة إدريس) تقريراً مخابرتياُ مصريا خطيراً وصادماً, وقد حُرر في سبتمبر من سنة 1954, وواضح من نصه أنه مرفوع إلى أعلى المستويات في الدولة المصرية آنذاك, ويتجاوز هذا التقرير العشر صفحات, متناولاً الوضع السياسي في ليبيا, وقد اجتهدت الجهة التي قدمته أيما اجتهاد في محاولة رسم صورة سوداوية وقاتمة للعهد الملكي, حيث يوصم محرره فيه كل المسؤولين في ليبيا بالعمالة والجوسسة لصالح للاستعمار, ويطلب كاتبه من الساسة في مصر بعدم سيرهم في اتجاه مماشاة الأمر الواقع ومسايرة العناصر الحاكمة في ليبيا, ويقول:
"إن أخشى ما تخشاه مصر هو أن تضيع الفرصة عليها في مستقبل ليبيا وتفقد الزمام من يدها", ويطلب كاتبه "فعل ما يمكن أن يحقق كسب الوضع القائم في ليبيا ومستقبلها". وبعد أن يقدم ذلك التقرير استعراض تاريخي عن نشأة الأحزاب في طرابلس وجمعية عمر المختار في برقة ويتهم الملك والعهد الملكي بالقضاء عليها, يحاول أن يعزو حالة الهدوء والاستقرار التي تتمتع بها ليبيا في ذلك الوقت إلى الضغط والإرهاب البوليسي لا غير, ويخلص التقرير إلى العناصر الهامة التي تمكّن مصر من السيطرة على ليبيا وتؤمن الحدود الغربية للأولى, ويلخصها في كيفية إيجاد مقاومة ليبية سرية عن طريق التعاون مع الأحرار الليبيين وهي العناصر التي تتجه إليها مصر في تنفيذ السياسة الجديدة لصنع مستقبل ليبيا وتحريرها - حسب قوله - وذلك بما يلي :
- الاتصال بزعماء الأحزاب الوطنية (المنحلة) لتأليف مقاومة ليبية وطنية سرية تحتضنها مصر وتسهل مساعدتها ماديا وأدبيا .
- الاتصال بزعماء الطلبة الليبيين في مصر لتوجيههم وإعدادهم للقيام بالدور.
- مساعدة كل الأحرار والمضطهدين ورفع معنوياتهم ولو عن طريق سري.
ويختم رجل المخابرات المصري التقرير بالقول :
"إذا تم كل ذلك نستطيع أن نؤكد أن انقلابا سياسيا قريبا سيحدث في ليبيا وان نتائج حسنة مضمونة بالنسبة لمصر ستتم في مدى قريب جدا , ولتسهيل تنفيذ هذه البرامج - على حد تعبيره - يبين الكاتب للمسؤولين المصريين استعداده لتقديم الشخصيات الليبية التي يمكن الاعتماد عليها". أهـ
 وفي مكان آخر, واستكمالا للصورة ولما ورد في هذا التقرير فإليك حديث (بشير المغيربي) في كتابه (وثائق جمعية عمر المختار) ويتحدث في هذه الفقرة بالضبط عن علاقة الجمعية بدولة مصر فيقول :
"في سنة 1955 قال لي السيد "أحمد بن بيلا" إن مسؤولين في رئاسة الجمهورية المصرية يودون الاجتماع بمن يمثّل جمعية عمر المختار للتعارف وتبادل وجهات النظر فأبلغت ذلك للأستاذ "مصطفى بن عامر" الذي كلفني بان أسافر مع بن بيلا إلى مصر لنعرف ما يريدون, وكان هذا أول لقاء في مصر مع مسؤولين في الرئاسة, ثم تعددت اللقاءات مع رجال الثورة المصرية حتى تشرفت بلقاء الرئيس جمال عبد الناصر, وتكررت اللقاءات معه بدعوة من الرئيس وبحضور مدير مكتبه". أهـ
 لا شك بإن قول المغيربي هذا لم يخرج عما جاء ما جاء في التقرير المذكور, وهو ما يعني أن هذه الاتصالات بدأت فعلاً بعد تقديم ذلك التقرير ببضعة شهور لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة, ولا أدري كيف يستسيغ أشخاص كانوا أعضاءً في جماعة هي في ذلك الوقت (منحلة) وهم في نفس الوقت نواب مستقلون -أي نواب معارضة- في برلمان بلادهم أن تستدعيهم أجهزة دولة أخرى ليجتمعوا بأعلى مستويات الحكم والمخابرات فيها بدون حتى إخطار سلطات بلادهم وبمعزل عن ولاة الأمر فيها ؟.
 وأضيف شئ هام: فباستعراض ودراسة سيرة (العرابين) الوارد ذكرهم مثلا في كتاب (عبد الناصر وثورة ليبيا) لرجل المخابرات المصرية (فتحي الديب) -والذي أتوقع أنا شخصيا أن يكون هو صاحب التقرير السالف الذكر لأسباب عدة- وبالاطلاع على ما كتب سامي شرف في كتابه سنوات وأيام مع عبدالناصر ؛ وبالربط بين كل ما توفر حتى الآن عن هذا الموضوع وتحليله, سيتبين لنا حجم خطورة ما حدث وما كان يمكن أن يحدث.
 نعم , ليس هناك سوى تفسير واحد وهو أن مخاوف الملك ادريس لم تنشأ من فراغ, فهؤلاء وغيرهم كانوا -من حيث يدرون أم لا- أدوات في أيدي جهات أجنبية.
 وإن ما يروج له البعض أحيانا بالقول : انه لو سُمح للحياة الحزبية بالوجود في ليبيا قبل الانقلاب المشؤوم لما وقع ذلك الانقلاب هو قول غير دقيق في نظري, ولا يراعي عامل (نوعية الفترة الزمنية) وطريقة التفكير إبّانها, وهذا القول لا يعدوا عن كونه (فلسفة حاضرة بتاريخ رجعي), لأن فكرة التغيير عن طريق الانقلاب كانت حلم ومطلب معظم الليبيين أصلا, والذين استهوتهم وسيطرت على عقولهم انقلابات مصر وسوريا والعراق واليمن, والدليل على عدم صحة هذا القول على سبيل المثال لا الحصر, أن الحياة الحزبية الطويلة التي عاشتها مصر الملكية لم تمنع وقوع انقلاب الجيش في 23 يوليو, ولم تردع الشعب -الذي سئمها- من الخروج مهرولاً في شوارع مصر تأييداً للانقلاب وضاربا بديمقراطية أحزابه عرض الحائط .
 إن تسلط الحزب الواحد ذو الأغلبية المطلقة واستبداده بالسلطة ونزوعه للدكتاتورية, ونفاق الأحزاب الشكلية النفعية الأخرى له, كان على الدوام هو سمة الديمقراطية في أقطار العالم الثالث, كما أن التطاحن بين صفوف الأحزاب المتكافئة (الحاكمة والمعارضة) في تلك الأقطار يثبت بأنها لا تستطيع التعايش والتوافق فيما بينها ضمن جبهة واحدة هدفها بناء الوطن. بل لقد أصبح هذا التناحر والتنافر ظاهرة سياسية تتميز بها (ديمقراطية) دولنا. فالنضوج الغير مكتمل للعقلية السياسية والتشوه الفكري الذي تعيشه القوى المكونة للأحزاب ساعد على تصدع مفهوم الديمقراطية في المنظومة السياسية لتلك الأحزاب, ولعل ما عاشته ليبيا بعد (فبراير) هو خير دليل على حكمة الملك إدريس في ما اتخذه من إجراءات مبكرة تجاه التعددية الحزبية في البلاد.
  وخلاصة القول أن لكل أمة طبيعة خاصة ومستوى معين من التفكير, إذاً فلكل منها نظام حكم يناسبها, وليس بالضرورة أن ما صلح به بلد سيصلح به بلد آخر يختلف عنه في الأصول والعقيدة والعادات والتفكير, وأن ما يصح في وقت هو ما يصح في سائر الأوقات, وأنا أرى أن (جرعة) الديمقراطية النيابية الدستورية التي ميزت العهد الملكي في ليبيا كانت أنسب ما يكون لمستوى ثقافتنا وتفكيرنا.
*الصورة ..البرلمان الليبي / البيضاء / في احد إجتماعاته / العهد الملكي 

 

 

السبت، 16 يوليو 2022

الغياب الجميل ...

عندما تتحدّث الصورة ...:
إن لم تُحسن حساب الرحيل يوماً ...فستضيّع كل محاسنك الماضية
**جرجيس/ تونس.. صورة وداع معلّمة تونسية تركت مهنتها ...
ما اجمل الإحترام و...المُحترمون ..والراحلون عندما يتركون صيتاً طيّباً كريماً ..
- ارشيف Ali Sayari


 

الأربعاء، 13 يوليو 2022

العودة ....للمستقبل :

    

  شبعنا هترسات وايدولوجيات وتنظيرات وفقهيات وحواريات لم تأتنا بنتيجة... ولن !
   "لن تصلح هذه الامة إلا بالعودة للقواعد التي ارساها السلف الصالح"... جملة نسمعها تتكرّر ولها من المعاني الكثير، وشخصيًا لا اريد أن اتوغل بها كثيرا كما قد يفهم البعض... هنا اعني بها الامة الليبية الكريمة خلال تاريخها الحديث كما أسماها الملك أدريس رحمه الله في خطاب وبيان الاستقلال 1951...
   هذا الرجل لن يتكرر في التاريخ كما غيره وكما هي سنّة الله في خلقه... نحن هنا نتحدّث عن التاريخ والمشروع والمبادىء العامة لدولة الاستقلال وخلال مسيرة الـ18 عاماً من النجاح في كل المجالات... الادارة، الحكم المحلي، الاقتصاد، التعليم، الصناعة، الزراعة، الادب وكل انواع الفنون، العلاقات الدولية، بناء المجتمع المدني والمتمّدن..ذلك المشروع الذي لم يسقط إنما تم إسقاطه، ولست هنا معنيًا بأسباب إسقاطه... ذلك شأن أخر قد نتطرّق اليه في حديث أخر...
  نسمع ما يتردد على أن بعض صياغات  وحوارات  الدستور قد أستبعدت كل الخيارات التاريخية السابقة وتركزت بعض الاختيارات المُعلنة على نظام جمهورية رئاسية... لا اريد هنا أن أتسائل عن شكل هذا النظام الرئاسي فهو اشكال متعددة في داخله...، إلا أنني على يقين بأن هذا الخيار لن ينجح وبكل أشكاله المعروفة ولأسباب، جهوية، ثقافية، دولية، إجتماعية، تاريخية... وهو يملك فشله في داخله... نحن اليوم بحاجة شديدة إلى مشروع ورمز وتاريخ يلم هذا الشتات او كما يعرّف أكاديميا نِظاما وشكلا يلملم الذي أصبح اليوم مجزأً...في الشكل الاداري للدولة الليبية خلال العهد الملكي وقبل الانقلاب، وكمثال وليس حصرًا...
كان نظام الحكم المحلي على شكل عشر محافظات لكل البلاد... وكل محافظة مقسمة إلى بلديات وفروع بلديات ومتصرفيات ومديريات... اليوم البلاد مقسمة بطريقة غير منطقية ولا علمية ولا إقتصادية ولا تاريخية، وقد يغلب عليها جانب الترضية الاجتماعية اكثر من غيره، إلى اكثر من 120 بلدية ولا شىء يجمعها...
   هذا الوضع جعل من البلديات إدارات قزمية لا تملك مقومات الاصلاح الاقتصادي والتعليمي والامني والخدمي الكلي وقد اكون صائبًا إذا ما قلت ان هذا النظام المجزأ قد تمت صناعته وتصميمه بحيث ان لا يعمل... وأن لا تتأسس دولة ذات مؤسسات فاعلة من هؤلاء الذين يريدون ان يجعلوا من وطننا سفرتح وفتنة وإنقسام وتشرذم... والدليل اننا عرضنا هذا المشروع ايام الاستاذ علي زيدان وقبله على ان يصدر به قانون مما كان يسمى ذلك الوقت (المؤتمر الوطني) والذي بتم تعرفون اليوم من كان يسيطر عليه... فتم رفضه وتم إصدار قانون الحكم المحلي الحالي بشكل بلديات تحصلت كل فئة وقبيلة ومنطقة ومدينة وقرية ومجموعة مباني على بلدية لم يُراعى فيها العوامل العلمية والمنطقية والتخطيطية فتجد مكان عدد سكانه 5000 أصبح بلدية واخرى عدد سكانها 500000 بلدية أيضًا...
    نحن بحاجة للعودة للمشروع الاقتصادي والاداري والتعليمي والثقافي الذي كان سائدا قبل سبتمبر 1969 وبحاجة لرمز حتى وإن أنزلنا كثيرا من إختصاصاته لمجلس أمة منتخب من نواب وشيوخ وحكماء مُختارين، يجمع الامة ويحفظ توازنها كما كانت... العقل والمنطق والتاريخ يقول هكذا قبل... العاطفة... وأعجب من أمة تريد ان تستبعد ما جمعها يومًا وأن تصرّ على مشاريع وتنظيرات تُفرقها..... كل يوم...!


 

الأحد، 10 يوليو 2022

مقارنات ..

    للمقارنة بين شكل الحدود بين البيوت في بلادنا وبين البيوت التي نراها في الصورة وهي نموذج الحدود بين البيوت والمنازل في مدن ومناطق امريكا والدول الغربية ..واحياناً كثيرة هي اقلّ من ذلك ..مرّات مجرّد إشارة ...قائل يقول ، هو الشعور بالامن والامان وثقافة عدم التعدّي وإحترام الخصوصية ..وقائل اخر يقول ..فرق ثقافة مجتمعات ، وبعضهم يقول ان القانون عندهم فيما يخصّ المُخططات والتخطيط يمنع بناء اسوار عالية ومتينة حتى تظهر جماليات البيوت والحدائق على الشارع الرئيسي إستكمالاً لجمالياته وحُسن مظهره وإمتداداً له وهو إشارة غير مُباشرة للسكان بأن تكون بيوتهم مكشوفة ولا يتم إهمال حدائقها ومظهرها ، والاخر يقول ..حتى من الناحية الامنية .رؤية الداخل من الخارج وبسهولة يجعل البيوت اكثر امناً...والحقيقة هذا صحيح .... بيوتنا وبالاضافة لما ذُكر ...فقد تحوّلت إلى سجون حديدية حتى من الداخل ...ورغم كل هذه التحوطات (الامنية) والغير أمنية...فلم تسلم من الغزوات الداخلية والخارجية ...
- الصورة لحديقة بيت أسرة ليبية كريمة تُقيم في مدينة فوستر سيتي( Foster City California ) بالولايات المتحدة الامريكية..وتظهر من خلاله الحدود و جمال الحديقة وكذلك رؤية المُحيط الخارجي ..

 

 

الجمعة، 8 يوليو 2022

الطريق....

"كنّا عندما نضيّع مفاتيح الباب ، نأخذ مفاتيح أبى ... عندما رحل أبي ..
أضعنا الطريق ولم نجد البيت حتى الان ! "
- صلاح
*الجمعية الوطنية الليبية التأسيسية مع الملك إدريس السنوسي بعد صناعة الدستور /  1951


 

ليبيا ..قبل الاعصار ...Before the Flood

     ليبيا قبل النفط وحتى خلال المراحل الاولى له وقبل (الاشتراكية) كانت تُنتج وتصدّر هذه المواد والسلع والمُنتجات (قطاع خاص ) ....ثم جاءت مقولة ( لا حرية لشعب يأكل من وراء حدوده ) ...وجاءت معها سياسات إقتصادية سيئة وكارثية بكل فروعها مع كثير من التنظير الاكاديمي الغير واقعي ...أستمرّت لليوم ......فأصبحنا نستورد كل شىء...ولا نُصدّر إلا النفط مع إقتصاد ريعي إستهلاكي و غير مُنتج تصاحب مع كثير من السلوكيات (الطامعة).....

    نحن بحاجة إلى دراسة كيف كنّا وكيف اصبحنا ....بدل البحوث بمراكز (الإستشعار عن بُعد )..وندوات ومؤتمرات (الأسكوا ) والزووم وغيرها .....
- المستند صادر من سفارة بريطانيا عام 1955 ..ارشيف الاستاذ يونس الهمالي بنينه...

 


الأحد، 19 يونيو 2022

البذور .....

" لقد حاولوا دفننا ، ولم يعلموا أننا... البذور "
باولو كويلو


 

حكمة الازمان ....

   طلب حكيم من شجرة لوز ، أن تُريه ألله ..لم تُعطه موعظةَ او خُطبة عصماء ، او تتزّين زينة مُشينة ،أو حتى تُشير للسماء ..فقط وبهدوء وبحياء وخجل محبّب ... اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ثم أزهرت و اثمرتَ....
- حكمة قديمة

 

 

الاثنين، 13 يونيو 2022

هذه الارض ...لي ولكم

بلادي ليبيا ...شيء من هذا القبيل....واجمل :
الفنان الامريكي الشهير Bruce Springsteen يتغنى بحب وطنه.... This land is your land and this land is my land
From California to the New York island.....


 

الأحد، 12 يونيو 2022

قصة ووداع وتاريخ ...والام وجِراح ومُعاناة وطن :

 كتب الاستاذ يوسف عبد الهادي في12 يونيو  2015 :
" من ذاكرة الوطن
في مثل هذا اليوم ...
بعض التفاصيل من (الوداع الأخير).
  على تمام الثامنة من صبيحة الثاني عشر من يونيو للعام 1969 حضر إلى ميناء طبرق جمع غفير من المواطنين يتقدمهم ولي عهد ليبيا, ورئيس حكومتها ونيس القذافي, والوزراء, ورئيس مجلس الأمة الشيخ عبد الحميد العبّار, ورئيس مجلس النواب مفتاح عريقيب, وسماحة المفتي الشيخ القلهود, ورئيس الديوان, وكبار المسؤولين, ورجال الأمن والجيش, كان ذلك من أجل توديع ملك البلاد المتوجه في زيارة إلى اليونان تعقبها رحلة علاجية إلى تركيا.
أطلقت السفينة (أوريون) صفاراتها احتفاءً بصعود الملك على متنها, وتبعتها في ذلك بقية السفن الراسية في الميناء, ولم تلبث أن قادتها السفينة الحربية (زلطن) إلى خارج الميناء ومدافعها تتتابع في إطلاق إحدى وعشرين طلقة تحية توديع لملك البلاد والقائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية, والذي رافقته في تلك الرحلة حاشية تتقدمها حرمه السيدة فاطمة, وفتحي الخوجة كبير التشريفات, وعمر الشلحي مستشار الملك, وإدريس بوسيف سكرتيره الخاص, والتشريفاتي محمود الثني, والزعيم سعد بن قنطش آمر الحرس الملكي, والعقيد عبد الله عبد الكريم الياور الخاص, والطاهر القرمانلي سفير المملكة في اليونان, وبعض الموظفين.
ولابد من التنويه بأن هذه الرحلة كانت رحلة علاج واستجمام للملك الذي أقسم علنا قبل بضع سنوات -(وتحديدا عقب تراجعه عن استقالته التي قدمها في مارس سنة 1964 )- انه لن يفارق شعبه ما دام حيًا وانه سيموت بينهم, ولا معنى للقول المغلوط الذي أشيع ومازال يشاع بأن الملك غادر في هذه الرحلة من أجل أن يفسح لانقلاب يدبره الشلحي بالتعاون مع مصر أو برعاية الانجليز كما يقولون, فهذا يتنافى مع مبدأ الملك ادريس أصلاً, بل إن ما يقال عن انقلاب عبد العزيز الشلحي هو كلام لا أصل له بل هي أكذوبة (مخابرتية) انطلت على الجميع.
   وبالعودة لتفاصيل تلك الرحلة فقد رست الباخرة (أوريون) بالملك وحاشيته في ميناء (بيريوس) , وكان في مقدمة المستقبلين الوصي على عرش اليونان (جورج زويتاكيس) وكبار رجال الدولة . ومن فوره توجه الملك إدريس إلى مدينة (كامينا فورلا) للراحة.
(المنشور القبيح):
   في منتصف شهر يوليو يصل إلى يد سكرتير الملك المرافق له نسخة من منشور (إبليس ولا إدريس) البذئ الذي حرره سراً في بنغازي البائس (ع . ز) ورفاقه , والذي وزع على نطاق واسع في بنغازي ودرنة وطرابلس بمناسبة زفاف كريمة السيد حسين مازق الى عمر الشلحي , هذا المنشور الذي تناول شخص الملك بالسباب الرخيص بل وصل الأمر إلى التطاول على عرضه وكرامته.
ينزعج السكرتير السيد إدريس بوسيف من هذه الورقة التي طارت حتى وصلت إلى هناك ويخفيها في حقيبته بعد أن يكتب عليها: (الملك في رحلة علاج ولا داعي لإزعاجه بمثل هذه الأمور).
بعد مرور عدة أيام يستدعي الملك سكرتيره باكرا على غير العادة.
دخل إدريس بوسيف ليجد الملك جالسا بكامل هيئته متجهما وبجواره منضدة دائرية صغيرة عليها نسخة أخرى من المنشور السالف الذكر , ويبادره الملك بالقول:
يا إدريس خذ هذه الورقة واقرأ ما فيها.
فيرد السكرتير قائلا : قرأتها يا مولاي.
فيقول الملك : منذ متى ؟.
فيجيب بوسيف : منذ حوالي أسبوعين.
فيقول الملك : ولماذا لم تخبرني شيئاً عنها ؟.
فيرد السكرتير قائلا :
يامولاي هذه أفعال رعاع مدينة , ووالله يا مولاي أنا أعرفك جيدا , فأنت لو التفتَ لمثل هذه السفاسف ما أسست الدولة أصلا.
يظهر على وجه الملك بعض الارتياح ويطلب من سكرتيره أن يجمع الحاشية فورا , وأن يرسل في طلب رئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب .
تجتمع الحاشية المرافقة للملك , فيسلم الملك الورقة إلى السيد فتحي الخوجة , ويطلب منه أن يقرأها بصوت عال .
يتلعثم الخوجة خجلاً , وكيف لمثل هذا الرجل الدمث الخلوق والذي يعرف مليكه الصالح حق المعرفة أن يقرأ مثل هذا الكلام في حقه.... فيطلب منه الملك أن يكمل قراءة المنشور.
نعم انه الوزير (أ هـ) الذي طيّر المدير (م ف) بنسخ من المنشور إلى اليونان , وكذلك الوزير (ع ب) الذي مر على الوفد ليسلمهم نسخ من المنشور بينما هو في طريقه إلى فرنسا, أما لماذا حدث هذا ؟ , بل لماذا الإصرار على وصوله ليد الملك شخصياً لدرجة أن توضع نسخة منه على سريره وفي غرفة نومه ؟ , فهذا ما يزال لغزا .
   بعد يومين يصل العبّار وعريقيب إلى اليونان بناء على طلب الملك , ويستقبلهما السكرتير الذي أمره الملك بإحضارهما من المطار في سيارته الخاصة. يدلف العبّار الى السيارة مباشرة , بينما يسأل مفتاح عريقيب السكرتير بوسيف وهو يهم بالركوب عن سبب استدعائهما على هذه الصورة ؟.
فيجيب بوسيف قائلا :
الله وعليم مولانا يبي يسلمكم تنازله عن العرش.
فيقول عريقيب : هل هذا أخر كلام ؟ , فلما رد بوسيف بالإيجاب , أزاح عريقيب طربوشه عن رأسه واخذ يضرب به على كفه وهو يردد طوال الطريق : لا حول ولا قوة إلا بالله , لا حول ولا قوة إلا بالله.
يدخل الرئيسين على الملك , وبعد السلام يبادرهما بالقول :
أنا تعبت , وقدمت مرارا استقالتي , وتراجعت في كل مرة حرصا على سلامة الوطن والشعب , وأما الآن ليس عندي ما أقول سوى أن هذه هي استقالتي , وقد عزمت على اجتناب السياسة بتاتا , وقد تركت الأمر لكم فاجمعوا مجلس الأمة , وها أنا أتنازل عن العرش لولي العهد (الحسن) فان رضيتموه ملكا فدونكم فبايعوه واعتمدوه , وإلا فاعملوا ما يصلح بكم.
فيرد العبّار قائلا : يا مولاي إذا سمع العالم ذلك سيقولون أن الليبيون ارتقبوا حتى خرج مليكهم من البلاد وانقلبوا عليه .
فيقول الملك :
وان عدت قبل إعلان الاستقالة سيحدث تماما مثل ما حدث في المرات السابقة , وخلاصة القول أنني لن أعود حتى اسمع إعلانها في وكالات الأنباء.
يغادر العبار ورفيقه , فيُسِر الملك إلى سائقه المرافق السيد (بلقاسم الحاسي) بالقول :
يا بلقاسم إن عدنا إلى طبرق نهاراً فسنتجه من الميناء إلى الجغبوب فورا , وان عدنا ليلاً فسنتجه الى المبيت في (طيبة) باب الزيتون وفي الصباح منها إلى الجغبوب. بمعنى لا يقابلني ولا أقابل احد.
وبعد أن سلّم الملك تنازله عن العرش غادر اليونان إلى تركيا قاصدا مشافي العلاج الطبيعي في بورصة , بدون أن ينهي زيارته إلى اليونان أو يلغي إقامته في فندق (غاليني) بكامينا فورلا.
يتأخر العبار في العودة وتقديم الاستقالة . وتجتمع الحكومة لمناقشة الموضوع , وفي البداية قرروا أن يذهب رئيس الوزراء السيد ونيس القذافي لمحاولة ثني الملك عن موقفه , ثم يعدلون عن ذلك بعد أن ابلغهم العبار بعزمه على تقديم الاستقالة إلى مجلس الأمة في الثاني من سبتمبر , فيُجمعون على دعوة المجلس الأمة للاجتماع يوم الخامس من سبتمبر للإعلان عن التنازل وتنصيب ولي العهد ملكاً.
(هدية السماء للملك إدريس):
في صبيحة الأول من سبتمبر تعلن وكالات الأنباء العالمية أن انقلابا عسكريا حدث في ليبيا , يسمع مرافقوا الملك الخبر , فيمتنعون جميعا عن إخباره. يصل مدير مكتب رئيس الجمهورية التركي مبعوثا من رئيسه , ويسأل أفراد الحاشية : هل علم الملك بما حدث ؟ , فيجيبون بالنفي , فيطلب الإذن بالدخول عليه ويخبره بما حدث , يرد الملك فوراُ متسائلاً :
- وهل حدث سفك دماء ؟.
- فيرد المبعوث : لا , حتى الآن
- فيقول الملك : الحمد لله.
في اليوم التالي يعلن الملك أن العودة إلى اليونان ستكون غدا - يعني في يوم 3 سبتمبر - على تمام الساعة التاسعة صباحا, وفي هذا اليوم يغادر الملك لأول مرة على غير عادته وقبل الموعد الذي أعلنه بساعة أي عند الساعة الثامنة , ليدرك الجميع أن الملك قصد أن يفوّت الفرصة على الصحافة التي تجمعت في الفندق بعد ساعة من مغادرته.
يصل الملك إلى اليونان ويستقبله السفير الطاهر القرمانلي , ويرافقه إلى الفندق في كامينا فورلا , ويخبره بالخبر السيئ وهو أن الطلبة الليبيين الدارسين في اليونان قد احتلوا السفارة وحطموا صورته ومنعوا السفير من دخولها واقسموا أنهم لن يخرجوا حتى تعترف السفارة الليبية في اليونان بالانقلاب الحاصل في بلادهم.
يا الهي أليست هي السفارة التي يفترض أن الملك في رعايتها الآن ؟ , أليسوا هؤلاء هم الطلبة والضباط الدارسين للعلوم البحرية المدنية والعسكرية على حساب دولة المملكة الليبية والذين استقبلوا مليكهم منذ أيام عند قدومه إلى اليونان ؟ . أيحدث منهم مثل هذا ؟ , عوضا عن أن يهرعون إليه مواسين ويسألون عن حاله وهل ينقصه شئ في غربته التي فرضت عليه جبراً من الآن ؟.
وتتوالى الأخبار الوارد من ليبيا عن فرحة الشعب بالانقلاب وخروج الناس في مسيرات تأييداً لما حدث , وعن سرورهم باعتقال كل رجال العهد الملكي من سراة وأخيار الناس , وعلى رأسهم ولي العهد ورئيس الوزراء , وامتلأت حوائط البلاد بالصور المعبرة عن الفرحة والساخرة من الملك وعهده , وبدأت برقيات التأييد تصل (من المدن والقبائل) إلى قادة الانقلاب ابتداءً من الخامس من سبتمبر. كل ذلك حدث قبل أن تعرف الناس من الذي قام بالتغيير , بل ومازال العلم الملكي مرفوعا.
فيعلق الملك الذي بدا على وجهه ارتياحا غير معهود على ذلك بالقول :
(الشعوب تحب التغيير , إن شاء الله يكونوا رجالة ويحافظوا على وطنهم).
حقا لم يتفاجأ إدريس السنوسي بالانقلاب بقدر ما استغرب التأييد الشعبي شبه الكامل للانقلاب, وإن كان يعلم في قرارة نفسه تمامًا أن الليبيين لم يعد يستهويهم أن يحكمهم نظام ملكي.
ويطير عمر الشلحي وبدون علم الملك ليتصل بالانجليز والأمريكان -(الراضون تماما عن الانقلاب بل والداعمون له)- طالبا تدخلهم , وتذيع وكالات الأنباء أن الملك إدريس أرسل مستشاره الخاص لهذا الغرض , وهنا يغضب الملك غضبا لا مزيد عليه ويطلب مراسل إحدى وكالات الأنباء البريطانية ويخبره أن ما أُذيع هو عار عن الصحة تماما , وان عمر الشلحي في هذا لا يمثل إلا نفسه.
يصل مدير قسم الشؤون الدينية في الخارجية اليونانية إلى الملك في مقر إقامته ويخبره بأن بلاده عازمة على الاعتراف بالانقلاب فور إعلان سيطرته على كامل التراب الليبي !! [*هل لاحظت ذلك], فيرد الملك بالقول : بأنه لن يحرجهم بالقيام بأي نشاط سياسي طالما ظل على التراب اليوناني.
يتوجه السيد طاهر القرمانلي يصحبه المراقب المالي السيد (محمد تمالة) إلى الملك بمبلغ من المال تبقي من مصاريف الرحلة , فيقول الملك :
ما هذا ؟.
فيقولان هذا مبلغ متبقي نرجو أن نستعين به في هذا الظروف.
فيرد الملك قائلا : أنا الآن لست ملك ليبيا وهذا المال ليس من حقي , ويوجه كلامه إلى السيد (تمالة) قائلا : يا بني اضبط فواتيرك واقفل حساباتك , لأنهم سيحاسبوك عليهن.
فيقول السيد القرمانلي : وبيش تسدد مصاريفك يا مولاي ؟.
فيرد الملك قائلا : يتولاني الله.
هذا وحرص الملك في تلك الأوقات على الامتناع عن أي تصريح للصحافة أو غيرها حفاظا على كرامة جيشه وسمعة شعبه , وما عساه أن يقول , هل سيقول هؤلاء أبنائي الضباط الذين وهبت لهم مسكني كلية عسكرية فتخرجوا منها وخانوني بعد أن اقسموا لي اليمين , أم يقول أن شعبي تخل عني في أول فرصة ؟. وعلى العموم فقد عمل الرجل بمقتضى أخلاقه التي ولد وعاش ومات عليها , فهو الرجل الذي لم يؤذي انسان في حياته ولو بكلمة.
انتظر الملك إدريس وقتا حتى مطلع شهر نوفمبر من اجل أن تهدأ الأمور ويعود إلى بلده , فالتغيير الذي يتمناه الليبيون قد حدث , وارتضاه الشعب , ومن حسن الحظ أنه لم يأتي من دائرة الملك , ولا يد له فيه , والعبء زال عن كتفيه , ولكن الذي حدث هو أن الملك أدرك انه لا أمل له في العودة وانه غير مرغوب به . بل ووصله تهديد غير مباشر - (من دولة) - يحذره من العودة إلى بلاده , فيضطر إلى أن يعلن أن ما أشيع عن عزمه بالعودة إلى البلاد غير صحيح.
وبعد أن تخلى عنه الجميع ولم يتصل به أحد من الزعماء العرب !! [*هل لاحظت ذلك أيضا], ثم انسحاب معظم مرافقيه الواحد تلو الآخر مذ كانوا في بورصة , بمجرد أن قال لهم انتم أحرار في اتخاذ ما ترونه مناسبا, فلم يبق مع الملك يومها إلا أربعة أشخاص , يرسل الملك طالبا السفير المصري الذي أتى على الفور , فقال له الملك :
هل بإمكانكم أن تسددوا عني بقية مصاريف إقامتي وإعاشتي هنا ؟ , وهل توافق مصر على لجوئي إليها إن طلبت منكم ذلك ؟.
اتصل السفير بدولته فعاد الرد من حرفياً : على الرأس والعين .
نعم, إنها فرصة حقيقية لجمال عبد الناصر.
يصل الملك الى مصر في مطلع شهر رمضان المبارك ومعه الملكة , وسكرتيره ادريس بوسيف , وياوره عبدالله عبدالكريم , ومحمود الثني , ومعهم سائقه بلقاسم الحاسي الذي عاد إلى ليبيا بعد أيام من وصولهم الى مصر.
وبعد ان انقضى شهر رمضان ثم عيد الأضحى يطلب الملك سكرتيره وياوره للحديث قائلا:
أنتم الان ترون حالي , ودولة مصر الآن هي من تقوم بإعاشتي والصرف علي , ولو كانت الأمور بيدي والله ما تركتكم , وانتم وراءكم أطفال , وأرى أن تعودوا إلى أسركم , فيوافق عبد الله عبد الكريم على رغبة الملك ويأبي إدريس بوسيف بعضا من الوقت ثم يضطر للرضوخ , فهما يعلمان أن الحالة المادية للملك لا تسمح بوجودهما عبئا عليه أزيد من ذلك.
نعم لقد اتصل الملك بعبد الناصر قائلا : نحن الآن دخلنا في فصل الشتاء وأنا خرجت من بلادي صيفا والانقلابيين حالوا بيني وبين حاجياتي وملابسي. فأرسل جمال عبد الناصر على الفور سيارة من محلات (عمر أفندي) الشهيرة تحمل أصنافاً كثيرة من الملابس والمتاع , ولكن الملك وزوجته اكتفيا ببعض الصوفيات والملابس الداخلية التي تقيهم برد الشتاء القارس , وأعادا السيارة بما فيها.
نعم إن أبناءه في بلده قد قاموا بمصادرة أملاكه ونهب كل حاجياته وملابسه وهداياه الخاصة وعبثوا بكتبه وأوراقه وانتهكوا خصوصياته في محاولة للتشهير به وإدانته وإظهاره بمظهر لا يليق , والحديث يطول في هذا.
واختصاراً .. فان الملك إدريس أوفى بما عاهد الله عليه في تنازله , فقد اجتنب السياسة والحديث عنها طيلة وجوده في منفاه الإجباري , وكل ما يقال عن غير ذلك فهو من وحي الخيال , فإن الملك إدريس كان يرفض مجرد الحديث عن ليبيا وما يجري فيها , بل وصل الأمر إلى أنه حذّر احد زواره المصريين من إعادة ذكر اسم القذافي إذا أراد أن يزوره مرة اخرى.
وأختم بنكتة مبكية عن واقعة حدثت أثناء وجوده في مصر , وهي أن الملك كان جالسا مساءً كعادته يستمع إلى المذياع الذي مر مؤشره صدفة على موجة الإذاعة الليبية , ويشاء القدر أن يكون المذيع في تلك اللحظة يكيل الشتائم لشخص الملك وعهده ويصفه بأقذع الأوصاف , فلم يزد الملك إدريس على أن تبسم وقال :
(سبحان الله !!, ما عاد عندنا ولا حسنة يذكروها لنا ؟.).
وأكرر هنا ما قلته سابقا:
لقد قام الليبيون بالتغيير وأيدوه في أول سبتمبر 1969 لمجرد التغيير وليس لسبب حقيقي وأقول (حقيقي) يتطلب التغيير , وإن محاولة إعادة البحث عن (شماعة) يعلق عليها البعض خطأُنا التاريخي الجسيم والمتمثل في التخلي عن العهد الدستوري , وذلك باتهام الملك بالتفريط , وولي عهده بالضعف , هي محاولة بائسة , ولم يصرّح أحد فينا بهذا القول عند حدوث الانقلاب , بل الذي حدث هو أننا فعلنا الأفاعيل فرحا بتلك النكبة , واعتبرنا نجاحها هبة من الله , ووصفنا من قام بها بأنهم : (فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) حتى وقعت الفأس في الرأس , ولم يعتبر أحداً أن ما اتصف به الملك الراحل وولي عهده من (وداعة) إنما هي صفة متجسدة فيهم تحسدنا عليها شعوبا عديدة من حولنا ترزح تحت وطأة سياط الجلادين وترتعب من زوار الفجر , وأن واجب حماية مثل هذه الملكية الدستورية الأمنة تقع على عاتق الجيش والشعب لا أن يخونها الجيش ويؤيده الشعب, فمعادلة الحكم في أنظمة الممالك الدستورية تنص ببساطة على:
أن الملك وظيفته حاميًا للدستور ليس إلا,
وأن الدستور يحمي الشعب.
وأن الشعب والجيش يحميان العرش.
وسليمتكم ..."