بحث في هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 28 فبراير 2021

البيضاء/10

وفي البداية ....كانت البيضاء النايرة وناديها العريق ..وملتقى الجميع...وكما قال احمد شوقي في قصيدته (جبل التوباد) :
جبل التوباد حياك الحيا ****** و سقى الله صبانا و رعا
فيك ناغينا الهوى فى مهده *** و رضعناه فكنت المرضعا
وعلى سفحك عشنا زمنا *****// و رعينا غنم الأهل معا
و حدونا الشمس فى مغربها ***** و بكرنا فسبقنا المطلعا
هذه الربوة كانت ملعبا ******** لشبابينا و كانت مرتعا
كم بنينا من حصاها أربُعا ****** و انثنينا فمحونا الأربُعا
و خططنا فى نقى الرمل فلم * تحفظ الريح و لا الرمل وعا
ما لأحجارك صمّا كلما **** هاج بى الشوق أبت أن تسمعا
كلما جئتك راجعت الصبا ******** فأبت أيامه أن ترجعا
قد يهون العمر إلا ساعة ***** و تهون الأرض إلا موضعا

 

 

الخميس، 18 فبراير 2021

حكمة وفلسفة تاريخية

"عندما ينهار القديم .. والجديد لم يولد بعد.... في هذه الأثناء تكثر الوحوش الضارية".
- أنطونيو غرامشي Anonio Gramsci
  كاتب وسياسي وفيلسوف إيطالي ( 1891-1937 ) ..عاصر نضالات مناطق اوروبا نحو الديموقراطية والدولة المدنية ، وما مرّت بها من معارك عسكرية و سياسية ودينية وإجتماعية تلك الفترة .......
- معلومات من ارشيف Hind Houdi


 

السبت، 6 فبراير 2021

شجرة اللوز

  سأل حكيم شجرة اللوز :(حدثيّنى يا اختاه عن الله ) ! ...فلم يسمع صوتا ..ولا هراجا ..ولا مواعظاً ولا قصصًا ...ولم تأتى بكتبًا ....ولم تُربّي لحية ..، فقط ...أرتجّت ثم أزهرت ثم وبحياء محبّب وهدوء ... أثمرت..!   


 

الثلاثاء، 2 فبراير 2021

البيضاء 7 ...السوق الفوقي وذاكرة مدينة

السوق القديم ....وحكاية مقهى عبد المولي  :
  في بدايات ستينات القرن الماضي كان " السوق القديم " بصومعة جامعه العتيق , وهو الآن في ذاكرتنا بمثابة تاريخ يحفل بأناس بسطاء كانوا بيننا وتشاركونا في شتى مناحي الحياة والسعي للقمة العيش ومقارعة الفقر الذي كان يضرب بأطنابه غالبية أفراد مجتمع المدينة في ذلك الوقت .
  احتفى السوق القديم في ذلك الوقت بعدد ٍ من الدكاكين المعروفة بأصحابها الأجلاء ( الحاج رشيد , والحاج عبد الصمد , , و العطار " التونسي " , وأعلومه , وسليمان و" بولطيف " و الدعوب " والعريضة " وايضا ( ثابت " صاحب محل إيجار الدرجات الهوائية .. وغيرهم من المشهود لهم بنقاء السريرة ومساعدة البسطاء وفق استطاعتهم ا..
وكان " سوق الزبط " يحده من جهة الجنوب الشرقي " وفيه نشاهد سيارات " الدوج " و" الفورد " للحمولات الثقيلة و " الفوردينا " المخصصة للركاب , أيضا هناك التجار المتنقلون الذين يمارسون البيع وشراء للفحم والحطب والجلود والأعلاف وغيرها من الأنشطة العادية , بالإضافة إلى كونه سوقا للخضروات ...
  وكانت هناك محلات الجزارة بصاحبيها ( بوحازق ) و ( بومحارب ) وهما شخصيتان رائعتين لا تمل حضورهما أو سماع أقوالهما أو عبثهما عبر المقالب التي يعدانها , وفوق ذلك هم أصحاب التجربة الحقيقية في الحياة إذا ما جد الجد وذوى الرأي في الأمور الاجتماعية الأخرى .
   مقالبهما كانت كثيرة لكنهما في ذلك يخلقان هذا التقارب المحبب للنفس ولا يملك من يعرفهما إلا أن يشعر بالحب تجاههما وبهذا كانا نكهة السوق القديم ..
    أضف إلى هذه النخبة ( الحاج عمر المسماري ) بهيئته التي كانت تدل على نبل هادى متأصل وروعة حضور وأناقة مظهر قل وجودها في ذلك الوقت , وهو أيضا من وجوه المجتمع المعروفين ومن أعيان مدينة البيضاء القديمة , وكان رحمه الله يمتاز بطيبة قلبه وشعوره المرهف دون تمييز , و كان رفيقاً ملازما لمعظم أصحاب الدكاكين والتّجار في السوق القديم , ومراقباً طريفا لبوحازق وبومحارب في كل مقلب يحدث لأحد من أصحابهم , فتراه المتأمل لنتيجة مقلب ناجح بابتسامة هادئة بعذوبة لا تنسى .!
   في الطرف الشمالي للسوق كانت مدرسة " الميدان " ذات الطابقين يرأسها على ما أذكر " المرحوم " يونس بوسويق ومن مدرسيها إذا لم تخني الذاكرة الأساتذة ( اصطفان " المصري " , واحمد البر واني " الفلسطيني " ومن المدرسين الليبيين الأساتذة ( إبراهيم هزاوي . حمد لحيمر – صالح الطقطوق – رمضان جبر – وبوسلطان - وأيضا – رجب بيانكو ) , وهناك أيضا قيّم المدرسة الذي كان يطلق على وظيفته في ذلك الوقت ( المباشر ) ويدعى ( بوعجيلة ) ..
     الممرض " أبريك ساسي " والممرضة " حسن بنت إبراهيم " كهلان نهلا من علوم التمريض وأعطيا تجربتهما للمواطنين في ذلك الوقت من خلال المستوصف الذي كان يقع في الجانب الشمالي من السوق حيث تقاطع الطريق , ويتميزان بمهارة الأداء وخفة الظل والهدوء المصحوب مع المجهود الذي يبذلانها طوال ساعات النهار .. كانا مخلصين للمواطن البسيط والمدينة القديمة التي شهدت شبابهما وكهولتهما معاً ..
     وفي الجوار كانت صيدلية " بالروين " صاحبها الرجل الذي امتلك بجدارة الخبرة الكافية لإسداء الإرشاد و النصح أو التدقيق في الوصفات الطبية وإبداء المعلومة للراغبين فيها
    وتأتينا الذاكرة بمقام " رويفع الأنصاري " برواده ومزارته , و" مرقب " العجوز " التي لا تكاد تفارق جواره , و( جردس ) الشخصية البسيطة التي دأبت على التنقل المستمر ما بين مزرعة بوحليمه ومقام رويفع الانصاري والسوق القديم ..!!
وفي الجانب الغربي من السوق القديم كانت قهوة عبد المولي .. وفيها تتلاقى الوجوه والذكريات ومهارات لعب الورق .. فكانت هذه التركيبة العجيبة والطريفة معاً .
    تتداعى صور تلك ( القهوة ) التي لم تعد موجودة فهي الملجأ للحمالين والسائقين وآخرون نهلوا من الحياة ونهلت منهم وركنوا للراحة وقضاء أوقات فراغهم الطويلة على كراسي تلك القهوة !!
  الرجل المسن الذي تخونني الذكرة في استحضار اسمه كان حمالا اختص في إفراغ الشاحنات من حمولاتها , ولطالما أدهشتنا قدرته على تحمل أوزانها و رفيقه " ذاوود " الذي لا يتسع عالمه إلا للقهوة وتفريغ حمولات السيارات .
   رواد " القهوة " من المقيمين بالمدينة القديمة أو الوافدون من المناطق المجاورة , وتختلف مشاربهم ومستوى وعيهم من شخص إلى آخر .. فهذا الذي يروى حكايات غرامه وانتصاراته وانتكاساته وهذا الذي يتذكر غناوة علم يلقيها بتلحين متمهل متزامنة مع نبرات استحسان الحضور , وهذا الذي يروى مغامراته مع مخالفات الحرب العالمية الثانية في الصحراء الليبية و اللغم اللعين الذي ذهب بيده وعينه اليسرى , والآخر الذي يروى حكاية عشقه لفتاة حبشية حينما كان مجندا إجباريا مع الجيش الايطالي في الحرب الايطالية – الحبشية - ولم يكتمل حلمه عندما قتلت الفتاة جوار أحد أسوار المعسكرات الايطالية وليروى للحضور أيضا تفاصيل معارك الحبشة و دمويتها وشراستها..!! وسيدي ( بوحمّاد ) الذي روى كيف اجبره الايطاليون على أن يقوم باستطلاع فردي عبر احد الأودية الرهيبة المليئة بالمحاربين عقوبة له لتهجّمه على ضابط ايطالي دأب على إهانة المجندين الليبيين وليبتسم عندما يوضح كيف انتصر على الموت رغم كيد الضابط الايطالي
   بالتقازة " الشاعر " ورفيقه بالحسين .. كانا عالمين مختلفين عن ما سواهما في قهوة عبد المولى .. فهما انس سهرة الشعر ونجوم أفراح المدينة وصفاقة ومجرادة " الصابية " وحضورهما يعنى حدث يسر الموجودين ويدخل البهجة على عوالمهم !! ..
وفي قهوة عبد المولي كان ( بوالفحلة ) ومغامراته ومهارات في ( قناصة صيد الليل ) ووصفه المسهب لكلاب الصيد التي دربها على القنص , وكيفية إصابته بارتعاشة جسمه التي لا تفارقه من جراءّ انتفاضة ( شاة صيد الليل ) بعد اقتناصها وذبحها وحملها على ظهره !!
  في قهوة عبد المولي لم تكن الكتابة بالجمال الذي يذكر وهذا ما تدل عليه الدوائر والخطوط المتروكة على صفحة سجل القهوة أو على صفحة الطاولات أو على جدار القهوة , وهي في النهاية تنبئ على أن من كان يجلس هنا هو العامل الكادح او الفلاح البسيط الذي ما كان له أن يتوصل إلى مرحلة من العلم !!
   جولات لعب الورق " السكنبيل " كانت عبارة عن خطوط متجاورة ينتهي المطاف بها برسم حلقة حولها إعلانا بنهاية جولة وفوز احدهم على الآخر , أما ( لعبة الشيزة) في السوق القديم فلم يتغير مكانها , فلا زال المكان يعج باللاعبين حتى الآن رغم تغّير الوجوه وفي ذلك الوقت , وقد دعانا الحذر ألا نلقي السلام لأسباب عدة منها انشغال اللاعبين عن السلام الذي نلقيه بحثا عن ( تنزيلة دار ) مناسبة أو خشية غضب لاعب محتجاً بما يتيسر من مصطلحات وسبابة مرتعشة تشير إلى مربعات اللعبة .
وقفات بسيطة احترم ماورد بها من أسماء وتواصلاً مع شيخنا الجليل الدكتور عبد الجواد عباس الذي دأب على سرد ذكريات البيضاء القديمة , هي في النهاية جانب من ذاكرة مدينة مع فائق الاحترام والتبجيل لكل اسم ورد بهذه المقال....
  المقال نقلاً عن الاستاذ مفتاح الشاعري -
 

 

 

الجمعة، 29 يناير 2021

سالم الكبتي: الأغنية الليبية.. ليست بهجة فقط! (1)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
   الأغنية جزء من تاريخ الإنسان . قطعة من حياته. رافقها ورافقته. هتف وصاح بها. نظمها وشارك في غنائها. استمع إليها وانسجم معها ورقص من الفرح. اختلفت الأذواق، لكن طعم الأغنية ظل واحدا في كل الشفاه…
   نحن هنا في ليبيا نحتاج إلى توثيق علمي ومنهجي لهذا التاريخ.. تاريخ الأغنية ومشوارها منذ فترة قديمة وحتى الآن. كثيرا ما كانت تذاع الأغنية دون أن يذكر ناظمها. أو الإشارة إلى ملحنها أو حتى إذا كانت من التراث الشعبي القديم. منذ فترة شرعت في إنجاز مايتعلق بذلك. جمعت الكثير من نصوص الأغاني وأعددت الجزء الأول بأسماء مؤلفيها وترجماتهم وأدوارهم.
   والواقع أن الإذاعة الليبية منذ بدايتها على المستوى المحلي البسيط في بنغازي وطرابلس حافظت على التراث الفني الليبي وشجعت وقدمت الكثير من الأصوات ذات السبق وصاحبة الريادة. لولا الإذاعة ومسؤوليها الوطنيين في تلك الأيام لضاعت العديد من الجهود رغم أن أرشيفها يعتبر الآن في حكم المفقود غالبا. وهو أمر مؤسف ومحزن للغاية. قطعة من ذاكرة الوطن ذهبت مع الريح.
الأغنية لوحة من تاريخنا وهويتنا وشخصيتنا. الأغنية الليبية كانت مميزة بألحانها وكلماتها وأداء فنانيها. كنت تسمع الأغنية وتعرف أنها ليبية صميمة. تداخلت مع أغان أخرى إلى درجة السطو عليها وسرقتها ونسبتها إلى بلدان أخرى. لقد ساهمنا في ذلك دون أن ندري. ضاعت حقوقنا الوطنية والفكرية والفنية والأدبية وسط زحام السرقات والاعتداء الواضح.
ثمة التباسات تحدث مرارا وبحسن نية (أقول) لدى المهتمين أو المتابعين لتاريخ الأغنية، وبحكم عدم معاصرة البعض لتلك الأغاني أو لبعد الفترة الزمنية يظل المرء يلاحظ الكثير من الأخطاء والهنات التي لو ظلت على حالها فستبقى مرجعا أو مصدرا لكل دارس أو باحث يتوجه لدراسة تاريخ الفن والأغنية عندنا.
    وعلى سبيل المثال لاحظت كثيرا الخلط في تاريخ الأصوات النسائية الفنية في ليبيا . عند الحديث مثلا عن خيرية المبروك يشار إلى أن من ضمن أغانيها.. أغنية (عيني في شان الغالي). والواقع أنها ليست أغنية مستقلة بل هي (برول) لأغنية (خوذي النصيحة) التي أدتها من نظم الفنان عبد الهادي الشعالية (توفي في بنغازي عام 1942) ويشار أيضا فيما يشار إلى أنها كانت تغني في فترة أعوام السبعينيات من القرن الماضي، والواقع أنها كانت تقوم بذلك في فترة الخمسينيات وقد توفيت في بنغازي في سبتمبر 1970. تبناها وشجعها الفنان علي الشعالية وقدمت أغنيات ثلاث في تاريخها الفني: خوذي النصيحة السابق ذكرها. و (مجروح لكن ماقدرت نقوله) وهي من نظم د. علي الساحلي دون أن يعلن عن اسمه في المصادر تلك الفترة بحكم موقعه في الدولة الليبية أيام المملكة. وأغنية (قلبي انشغل عنه ومايدريبي) من نظم محمد منصور المريمي. كانت الفنانة خيرية المبروك تأتي إلى مقر الإذاعة القديم في راس اعبيدة في حنطور (عربية) وبلباسها الليبي وتؤدي وصلتها وتعود إلى بيتها وسط المدينة. لاحظوا تلك الظروف وتلك الأيام. الغناء كان مستهجنا من الرجال فما بالك بالنساء في مجتمع محافظ!.
    يحدث الخلط والالتباس أيضا أثناء التوثيق أو الحديث عن تاريخنا الفني في عدم ذكر أصوات أخرى من النساء . مثلا: فكرية علي التي كانت أول من شارك في دوبيت غنائي مع أحمد كامل من نظم علي الشعالية. أغنية (نهيتك ووريتك وريت بعيونك .. وان ماخديت القول بينك بينك). وفوزية محمود والثنائي الليبي والثلاثي الليبي وعفاف محرم.. وغيرهن. كما يحدث الخلط أيضا في الأصوات النسائية العربية ممن قمن بأداء وتقديم العديد من الأغاني الليبية: هناء الصافي وميادة اللبنانية وزكية حمدان وليلى مطر ونازك (ذات الأصول الليبية) وأسمها الأصلي هدي الحسيني. وسهام الشماس وعليه ونعمه وسلاف وزهيرة سالم والثلاثي المرح ومها صبري وشريفة ماهر وحورية حسن.. وغيرهن.
    ظلت الأغنية الليبية تحمل تركيبة من الصدق والتطريب. ظلت أيضا واضحة المعالم تمشي واثقة الخطوات في الدروب. ورغم وجود الاختلاف مع بعض عباراتها وتوصيفاتها وعدم الاتفاق بشأنها من صور وتعبيرات لكنها تطورت مع الأيام في الكلمات التي لم تعد أسيرة تجربة الماضي المليئة بالحزن والظروف الصعبة.
   نهض الرواد من الشعراء وكتاب الأغاني بإرسال قوافيهم وفقا لمعايشة يومية أو حدث مروا به. ووجدت اللحن الشعبي المناسب واستقرت في أعماق المتلقين. اختلفوا أم اتفقوا كما أشرت. غير أنهم أدركوا أن هذه الأغنية.. ليبية صميمة تحفر تجربتها من الواقع ويستند لحنها على أصالة التراث. الأغنية الليبية كانت وجها أخر لحياة الليبي وشخصيته. ولهذا نجحت وظلت تعيش في خاطره. يرددها. يحفظها. ينسجم معها في كل الأوقات بالرغم من تجدد الأذواق والاتصال الدائم بالأصوات والألحان التي من خارج وطنه موقنا تمام اليقين بأن الفن الإنساني هنا وهناك واحد. لكن أغنيتنا لها خصوصيتها ولها أنفاسها وتأثيرها.
والكلمات لم تكن غريبة. كانت ابنة البيئة. من تصاويرها وظلالها وألوانها وتركيباتها. الأغنية الليبية قاموسها يمتلئ غنىً وثراء. وظلت خالدة وتتطور وتواجه محاولات المسخ والتشويه. ذلك أن اللحن الشعبي الأصيل بقي صامدا وخاما رائعا لم يصدأ ولم يبهت وأعطى للأغنية قوتها، فلا أصالة بدون لحن أو كلمات ثم يأتي دور الفنان أو المؤدي الذي يزيد من هذه القوة والأصالة.
    حافظ هؤلاء الشعراء والكتاب على قيمة الأغنية. كما حافظت الإذاعة في مشوارها. كما حافظ كل فنان ومهتم بتاريخ التراث عندنا توثيقا وبحثا بأصالة الأغنية الليبية. ونحن باستمرار سنظل في حاجة ملحة تدعونا إلى المزيد من الاهتمام بهذا التراث الكبير، حتى وإن لم نتماهَ معه في وقتنا الحاضر الذي تمثل الأغنية قطعة رئيسة منه. وهو أمر حيوي يحثنا كل لحظة في عالم يحاول تغييب الهوية والسيطرة عليها أو محوها بكل الأشكال على أن لا نهمل تراثنا وأغانينا وألحاننا وفننا. لكي لاتضيع شخصيتنا في الآخرين. لكي لايضيع الوطن وتاريخه من بين الأيادي وتحت الأنظار. الأغنية الليبية ليست بهجة فقط، ولكنها أيضا ضرورة وتاريخ!.
سالم الكبتي
بوابة الوسط | الأربعاء 27 يناير 2021


 

الأحد، 24 يناير 2021

بيكاسو

    بيكاسو ، الرسام العالمي الشهير (1881-1973) ..في احد معارضه ساله أحدهم .."لم افهم ماذا تعني بكل هذه الخربشات والالوان والخطوط المتداخلة و الصور الغريبة "! ..قام على أثرها بيكاسو برسم صورة قمح على أرضية المعرض فبدت كأنها حبة قمح حقيقية..أندهش الرجل قائًلا .." لماذا إذن تصرّ على رسم هذه الرسومات الغريبة ولديك هذه القدرة على رسم الاشياء بهذا الشكل الرائع والواضح ..لو كانت هنا دجاجة لحاولت إلتقاط هذه الحبة "! ...رد بيكاسو .." للأسف ..ليست كل رسوماتي هي ..للدجاج " !


 

 

الجمعة، 8 يناير 2021

أدبيات فاخرة ....

 الأديبة والكاتبة الليبية الفاضلة ( Mahbuba Khalifa )،السيدة محبوبة خليفة (درنة) ،عندما    ،عندما رأت صور تكريم العقيد إدريس بوشيبة القطعاني يوماً وهي في (طرابلس) ، من قبل رِفاقه بمديرية امن البيضاء ، ورأت دموعه يوم التكريم (19يوليو 2017) ، فاضت قريحتها بهذه التساؤلات الإنسانية الراقية يومها:

  كنهنْ اغيوم العين حادر ماهن .. زعم فرحهن بالقَدرْ...والّا (الوجع) بكّاهن!

 كنهن اغيوم العين ! كنهن ادّردَرْ سيلهن وانذرفَنْ .. ودارَنْ غدير.. لا وقّفَنْ لا كفّن...  !

احكيلنا ليش المواقي سَفّن... يوم فرحتك.. مابا يجفّ وعاهن!

  أحكيلنا كيف الوجع ...واوصافه ... اللي كاد حمل القلب ....نين تخافه..  !

زعم موجعَه مالوقت .. والا أحوال الوطن .......قَلّ هناهنْ !.. كنهن اغيوم العين ....حادر ماهن !... زعم فرحهنْ بالقدرْ...والا (الوجع) بكّاهن !!...

     العقيد إدريس بوشيبة القطعاني يذكره كل سكان مدينتي البيضاء العامرة بكل طوائفها الجميلة ، رجل عفيف ،كريم، مثقف ، نبيل ،وطني ،عندما تتحدث معه كأنك تتحدّث مع قيمة من قيم الزمن الجميل وتستذكرها ، يحب الجميع ، فاحبّه الجميع ،نموذج لرجل الأمن الوطني المثقف سلوكًا ومواقف وتاريخ ، لم يكن يحب المكاتب ، كان رجل الميدان ، تراه يعمل بمفترقات المدينة وهو يحمل أجمل الابتسامة ،ضوء أحمر وأخضر يقف له الجميع إحترامًا بإشارة مع إبتسامة مميّزة منه ..أصبح جزء من تاريخ المدينة ..يعرف جيدا تاريخ بلاده ، زادت فرحته عندما رأي راية الاستقلال التاريخية تعود..فكان من أوائل من ارتداها على كتفه وبيديه فخرًا وهو يعمل ..أبى رفاقه بمديرية الامن البيضاء إلا ان يكرمّوه  رفقة الرعيل الاول من جنود وضباط البوليس المُحترمين ايام العهد الملكي وكذلك كل من عمل بمهنية وإخلاص في الشرطة الحرفية المهنية المُنضبطة بكل فئاتها حتى خلال العهد السابق والذين خدموا الناس والأمن والعدل بدون تحيز،وأبى هو إلا ان يرتدي شعار البوليس الملكي بوم تكريمه، وصار قدوة نعتز جميعًا بها..فاجأه التكريم والتذكّر بعد عودته من رحلة علاج والذي كان بسببه قعيد البيت والعلاج ، فظنّ انه قد نساه الناس وزملاؤه كما العادة عندنا ..فكان إن رد التحية دموع وشكر.. كان من ضمن المكرّمين أبن عمي والذي شهادتي فيه قد تكون مجروحة ، العميد محمد حمد بوعجاج الجويفي ، رحمه الله..وثلة من الضباط والجنود المُحترمين، اثروا العدل والأمن والأمان خلال كل الاوقات الصعبة، وفي كل ربوع وتاريخ الوطن ، ماضيًا وحاضرًا ...ليس في البيضاء فقط ،بل من كل ربوع الجبل الاخضر والذين كانت تجمعهم مديرية امن واحدة قبل ان تتفرّق بسبب التقزيم والتقسيم وهو من الاخطاء الكارثية التي فشتت وبعثرت الجهود والامكانيات المادية والادارية والامنية والتخطيطية والاجتماعية ، والتي من المُفترض ان يعاد النظر فيها بشكل إداري وعلمي سليم ، ما تم من تكريم تجاوز كل هذه التقسيمات فالتقى الجميع في البيضاء النايرة التي دوما تجمع ولا تفرّق فهي عاصمة الجبل الاخضر ومُلتقى أطيافه وقراه ومدائنه ، وكانت يومًا عاصمة المملكة الليبية الصيفية ،لا يزّل يحّن لها ويحبّها وأطيافها من عمل بها تلك الفترة النيرّة من تاريخ الوطن ..ومن كل ارجاء الوطن ...الشكر والتقدير والاحترام لكل من كان وراء هذا الحدث الجميل ..لرجال نبلاء نقف لهم او لارواحهم إحتراما ومحبة وتذكرّ ووفاء .. رحم الله فقيد البيضاء والجبل والوطن ..والذي توفّاه الله يوم 7 مايو 2019 بعد مرض المّ به خلال السنوات الماضية.

 




 

 

الجمعة، 18 ديسمبر 2020

حديث العودة إلى ...المستقبل

    "عام 1968 ..حضر إلى المملكة الليبية ..احد الناشطين الأجانب في مجال حقوق الإنسان لغرض الدعوة لتأسيس وتكوين منظمة حقوق الإنسان بناء على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كان صدر في عام 1947..وزار مُعظم مناطق ليبيا و المؤسسات القضائية والتشريعية والتعليمية والثقافية والمدنية والاقتصادية والإدارية والامنية والصحية وحتى مراكز الشرطة والسجون وغيرها ..حضرت له اخر لقاء وكان على شكل ندوة ولقاء بجامعة بنغازي (الجامعة الليبية) قبل ان يُغادرالبلاد بيوم واحد ، وكان برفقتي ممّن اذكر الراحل احمد بورحيل المسماري كما حضر معنا الراحل الاستاذ عبد المولى دغمان رئيس الجامعة ذلك الوقت ، رحمهما الله ، ولا يزلّ يرّن بأذني لليوم ملخّص ما ذكر الرجل ..* : من خلال زيارتي اتضح ان مُعظم اموركم الحقوقية ممتازة وجيدة مُقارنة بكثير من البلدان والمُجتمعات التي زرناها...وانكم في الطريق الصحيح وانكم تملكون دستوراً مدنياً لا يوجد مثيله في كثير من البلدان حولكم ، هناك نقطة ضعف واحدة ولكنها كبيرة ، وهي ان هذا الدستور لم يأتي او يُصنع من خلال مُعاناة دستورية مرّت بها كثير من الشعوب والمجتمعات الأخرى ، ولهذا اصبح الخوف ان يأتي يوماً ما ويُختطف هذا الدستور البديع او يُلغي او حتى يُستبدل ولن تجدون من يُدافع عنه ، لأنكم لا تعرفون قيمته ، ممكن يُنهب منكم يوماً بكل بساطة..* ..وفعلاً حدث بعده ما حدث وبكل بساطة ..بل صفّق لذلك النهب والتجميد ، الكثيرون "
**ملخّص حديث مع الاستاذ محمد بوسريرة / البيضاء-2013 ..احد ضحايا السجون ايام النظام السابق لمدة 15 سنة ولم يخرج إلا في ما سُميّ ( اصبح الصبح) (1973- 1988)) ..
*الصورة ..البعثة الرياضية الليبية لأحدى النشاطات الرياضية في المغرب في الستينات ..
 


 

 

الاثنين، 7 ديسمبر 2020

سيرة وطن ...في تاريخ رجل

 
   غيث عبدالمجيد سيف النَّصر.. رحيل مُناضل بصمت
    يوم الأحد، الموافق 6 ديسمبر 2020م، غيب الموت الّذِي لا مفر منه، وبعْد معاناة مع المرض، المُناضل الوطنيّ الكبير وشيخ أولاد سُليْمان وكبير آل سيف النَّصر، غيث عبدالمجيد سيف النّصـر، عَن عمر يناهز اثنين وتسعين عاماً.
كان والده عبدالمجيد سيف النَّصر أحد حكماء عائلة سيف النَّصر وأحد مشايخ «قبيلة أولاد سُليْمان» البارزين. وجده غيث سيف النَّصر استشهد دفاعاً عَن إحدى زوايا السّنُوسيّة فِي تشاد «زاوية بير علالي بمملكة كانم مركز السّنُوسيّة بتشاد». ويُذكر أن عدد شهداء معركة الدَّفاع عَن زاوية بير علالي، الواقعة فِي العَام 1902م، حوالي مائة شهيد، تقدمهم: الشّيخ غيث سيف النَّصر، والشّيخ محمّد البراني.
جاهد آل سيف مع السّنُوسيّة فِي حرب التَّحرير، وهاجروا معهم إِلى تشاد ومِصْر وغيرها من البلدان، وولد غيث عبدالمجيد سيف النَّصر فِي العَام 1928م فِي تشاد إبّان هجرة أهله إِلى هُناك. ونشأ فِي بيت شديد الولاء إلى «البَيْت السّنُوسي»، وآل «سيف النَّصر» سنوسيّون أباً عَن جَدٍّ، وربطتهم علاقة روحية وارتباط وثيق بالإخوان السّنُوسيين منذ انطلاق الدعوة السّنُوسيّة بليبَيا. وقد ربطت الحاج غيث علاقة روحيّة بالمَلِك الرَّاحل إدْريْس المَهْدِي السّنُوسي، وكان شديد الولاء والمحبة له. ويُذكر أن ولاء آل سيف النَّصر للسّنُوسيّة كان ولاءً كاملاً ومعروفاً لدي جميع الِلّيبيّين، وأن العائلة ظلّت طوال تاريخها - وعلى امتداد التّاريخ الِلّـيبيّ - غير منصاعة لقيادة أحد ولم تبايع شخصاً أو بيتاً إلاّ البَيْت السّنُوسي، نظراً لتقديرها لدّور هذا البيت في نشر الإسْلام والدّفاع عَن المسلمين، ولجهاد السّنُوسيّة وانتسابهم إِلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أشار الشّاعر الشّعبي المعروف محمّد الأصيفر «من أولاد سليمان» إِلى عمق العلاقة بين «الإخوان السُّنُوسيّة» وعائلة «سيف النّصـر»، في قصيدة نسجها فِي العَام 1920م بعد وفاة السِّيّد سيف النّصـر، فقال فِي بيتين منها:
صغير نفس لاجوه لإخوان *** ينابيلهم يا سيادي
بيـنهم محـبة وقران *** وارثينها م لأجدادي
   للسّيِّد غيث عبدالمجيد سيف النصر ثلاثة أخوة، وهم: محمود، منصُور، أحمَد، وله اثنان من الأبناء هما: عبدالحميد وعبدالجميد وعدد من البنات. وقد شغل الحاج عدد مِن المناصب بعد استقلال ليبَيا وقيام دولة ليبَيا الحديثة، وكان من بينها والي ولايّة فزَّان قبل إلغاء النَّظام الفيدرالي فِي أبريل مِن العَام 1963م.
  تداول على منصب والي فزَّان مِن ديسمبر 1951م إِلى أبريل 1963م، السّادة: أحمَد سيف النصر «مِن 1951م إِلى 1954م»، عُمر سيف النّصر «مِن 1954م إِلى 1962م»، غيث عبدالمجيد سيف النّصر «مِن 1962م إِلى 27 أبريل 1963م». وبعْد إلغاء النَّظام الفيدرالي، عُينَ غيث عبد المجيد سيف النصر محافظاً لفزَّان، ثمَّ عُين في العَام 1968م سفيراً للمملكة لدى تشاد وبقى في منصبه حتَّى انقلاب الأوَّل مِن سبتمبر مِن العَام 1969م.
  سجن محمّد سيف النصر« البّيْ محمّد» بعْد انقلاب سبتمبر 1969م مباشرة، وهُو عمّه وأب زوجته المرحومة بإذن الله تعالى الحاجة فاطمة الّتي تزوجها فِي منتصف خمسينات القرن المنصرم. مكث البّيْ محمّد في السجن عدد من الشهور، وفي أواخر سبتمبر 1971م تدهورت صحته بشكلِ كبير، وأدَّى هذا الأمر إِلى اضطرار الانقلابيين إِلى نقله مِن السجن إِلى أحدى مستشفيات العاصمة. وبعد أيّام معدودة من نقله إِلى العلاج، وافته المنية داخل المستشفى، وتحديداً في شهر أكتوبر مِن العاَم 1971م.
   رفض الحاج غيث عبدالمجيد سيف النَّصر انقلاب الأوَّل مِن سبتمبر وعارضه منذ يومه الأوَّل، ولجأ إِلى الخارج معارضاً فِي النصف الأوَّل مِن العَام 1970م، أيّ بعْد استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة بشهور قليلة. اتهمته سلطات القذّافي المخابراتيّة بالضلوع فِي محاولة لقلب نظام الحكم، عُرفت بـ«مؤامرة فـَزّان» أو «مؤامرة سبها»، المحاولة الّتي أتهم بقيادتها المقدّم عبدالله حلوم آمر كتيبة المشاة الخامسة، إِلى جانب: الرَّائد عُمر عبد الرَّحيم، والنقيب السّاعدي سيف النّصر ابن البّيْ محَمّد سيف النّصر، كذلك الملازم محمّد طاهر والملازم جناب إمراجع، وقد ادعى النّظام بأن عناصر مقيمة بالخارج كانت تقف خلف هذه المحاولة، وهم: عبْدالله عابد السّنُوسي، عُمر إبراهيم الشّلحي، غيث عبْدالمجيد سيف النّصـر، وذلك في شهر مايو من العَام 1970م. ويُذكر أن اثنين من السجناء فِي هذه القضيّة قد استشهدا فِي ديسمبر 1970م تحت التعذيب وهما: الملازم أوَّل محمّد الطاهر القطروني، والملازم أوَّل أبوحليقة دخيل الشريدي.
ربطت سلطات القذّافي المخابراتيّة المحاولة بعلاقة مَا تربطها بجهات أجنبيّة وبشخصيات محسوبة على النّظام الملكي، وبالسّيِّد عبدالله عابد السّنُوسي تحديداً. وتؤكد بعض المصادر بأنّ الحاج غيث سيف النصر عبدالمجيد لم يكن ضمن مجموعة عبدالله عابد إنّما رُبطت مجموعته بمحاولة عابد لأنّ مدينة سبها كانت الساحة الرئيسيّة لتحرك قادة المحاولتين. ففي الوقت الذي كان الحاج غيث يُعد مع مجموعته مشروعاً للإطاحة بنّظام القذافي، تمكنت سلطات المخابرات من إكتشاف محاولة عبدالله عابد «محاولة سبها»، ومن خلال ذلك وصلت إلى مجموعة الحاج غيث، فربطت المحاولتين بعبدالله عابد لحاجة فِي نفس نظام القذّافي !!.
   صدر حكم غيابياً بالإعدام الحاج غيث، ومِن المدهش أن يتكرر نفس مَا حدث إبّان حكم المستعمر الإيطالي، وتتكرر نفس الصورة بعد تسعة وثلاثين عاماً، حيث أصدر انقلابيو سبتمبر 1969م حكماً يقضي بإعدام أحد أبناء عائلة سيف النّصـر وثاني يقضي بسجن ابن آخر مدى الحياة. وتزول الدهشة حينما يعي الإنْسَان بأن حكم المستعمر وحكم المستبد وجهان لعملة واحدة، فكلاهما يعتمد سياسة الإذلال وسلب الحُقُوق ويعتبر «الحرية» العدو الأوّل له. ففي الثامن والعشرين من سبتمبر 1933م، عقدت سلطات المستعمر الإيطالي محكمة خاصّة في طرابلس الغرب، قضت بإعدام أولاد سيف النّصـر جميعاً، وفي يوم السبت 5 جمادي الثّاني 1392 هجري الموافق 16 يوليو 1972م، أصدرت محكمة عسكريّة خاصّة حكمها في قضيّة أسمتها: «قضية التآمر رقم 1 لسنة 1970م»، وحكمت غيابياً بالإعدام على ثلاثة أشخاص، هم:
1- عبْدالله عابد السّنُوسي
2- عُمر إبراهيم الشّلحي
3- غيث عبدالمجيد سيف النّصـر
وحكمت المحكمة بالإعدام حضوراً على شخص واحد، هو: أحمـَد الزبير السُّنوُسي. كمَا حكمت المحكمة بالسجن المؤبد على ثلاثة أشخاص هم:
1- السّاعدي محَمّد سيف النّصـر
2- محمّد علي الضراط
3- علي ميلاد القهواجي
  وبرأت المحكمة ساحة مائة وأثنين شخصاً، وحكمت على مجموعة أخرى بالسجن بمدد تتراوح بين عشر سنوات والحبس لمدة سنة واحدة.
  تمكن الحاج غيث مِن مغادرة ليبَيا قبل أنّ تلقي سلطات القذّافي القبض عليه، وقبضت على آخرين وسجنتهم، وظلّوا رهن الاعتقال حتَّى مارس 1988م. ويذكر أن الحاج غيث قام – وبعد انقلاب سبتمبر مباشرة – بإجراء اتصالات متعددة مع مدنيين وعسكريين محذراً إياهم من مغبة السكوت عمّا وقع فِي الأوَّل مِن سبتمبر 1969م، وتنقل بين المدن والقرى الِلّيبيّة المختلفة لأجل إنضاج موقف موحد مِن الانقلاب.
   ومنذ خروجه مِن ليبَيا فِي مايو 1970م، تنقل بين دول عربيّة وأفريقيّة عديدة، مِن تشاد إِلى النيجر ثمَّ تشاد وبعد ذلك المملكة المغربيّة وجمهوريّة مِصْر العربيّة ليعود مجدداً إِلى تشاد. واستقر منذ بداية العَام 1992م فِي الولايات المتحدة الأمريكيّة، حتَّى العَام 2011م، حيث عاد إِلى ليبَيا بعْد اندلاع ثورة السّابع عشر من فبراير واستقر بها إِلى العَام 2014م ثمّ غادرها مجدّداً ليستقر بتونس والّتي تُوفي بها يوم الأحــــد 20 ربيع الثاني 1442 هجري الموافق 06 ديسمــــبر 2020م.
  وبعد تأييد معمّر القذّافي للمحاولة الفاشلة ضدَّ المَلِك الرَّاحل الحسن الثاني مَلِك المملكة المغربيّة الّتي قادها الجنرال الصخيرات فِي صيف 1970م، وتأييده للمحاولة الانقلابيّة الثانيّة بقيادة الجنرال أوفقير فِي العَام 1971م، ثمّ تورطه «نظام القذّافي» والنَّظام الجزائري فِي العَام 72/ 1973م فِي دعم التمرد الّذِي وقع في بعض المناطق الجبليّة في المملكة المغربيّة، تمكن الحاج غيث من إقناع السّلطات المغربيّة بدعم محاولة لّيبيّة تستهدف نظام القذّافي. انطلقت تلك المحاولة فِي العَام 1973م مِن المغرب نحو الهدف إلاّ أنّها لم تصل إِلى هدفها النهائي، حيث تمكن القذّافي مِن إجهاضها، وبعدها قدم القذّافي إِلى مَلِك المغرب كافة التعهدات وأغدق على خزينته الملايين من الدولارات فأعادت المغرب علاقاتها مع القذافي وكان ذلك على حساب القوى الوطنيّة الليبيّة في الخارج. وتأزمت العلاقات مجدَّداً بين البلدين فِي وقت لاحق، بسبب أزمة الصحراء الغربية ودعم معمّر القذّافي لجبهة البوليساريو واعترافه بـ«جمهوريّة العربيّة الصحراويّة الدّيمقراطيّة» الّتي أعلنتها الجبهة مِن جانب واحد فِي الصحراء، في حين تقترح الرباط منح الصحراويين حكماً ذاتياً تحت سيادتها.
  استمر الحاج غيث فِي اتصالاته وتحركاته وزيارات، فزار عدة دول عربيّة وأجنبيّة واجتمع بالشخصيّات الوطنيّة المقيمة في تلك البلدان قصدَ إيجاد تفاهمات معها وخلق إجماع وطنيّ لأجل تجميع القوى الوطنيّة في عمل جبهوي واحـد يستهدف نظام القذافي الانقلابي، ومِن تلك الشخصيّات على سبيل المثال لا الحصر: الرَّاحل الكبير فاضل المسعودي شيخ المُعارضين الِلّيبيّين فِي المنفى، الصحفي والإذاعي الشهيد محمّد مُصْطفى رمضان الّذِي اغتلته عناصر القذّافي الإجراميّة فِي لندن يوم 11 أبريل 1980م أمام مسجد لندن بعْد أدائه لشعائر صلاة الجمعة.
   وبعْد استقالة محمّد يُوسف المقريَّف مِن منصبه كسفير لليبَيا لدى الهند فِي العَام 1980م، بادر المقريَّف بالاتصال به، وانضم الحاج غيث إِلى «الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا» الّتي أُعلن عَن تأسيسها فِي السّابع مِن أكتوبر مِن العَام 1981م. انتخب الحاج غيث سيف النصر نائباُ لمحمّد المقريَّف «الأمين العام» فِي أوَّل مجلس وطني تعقده جبهة الإنقاذ، والّذِي انعقد فِي المملكة المغربيّة فِي العَام 1982م. أُعيد انتخابه كنائب للأمين العام مرتين متتاليتين بعْد انتخابه فِي المغرب، الأولى في الدورة الثانيّة للمجلس الوطنيّ الّذِي انعقد فِي بغداد العَام 1985م، والثانيّة فِي مدينة دلاس بولاية تكساس «Dallas -Texas» بالولايّات المتَّحدة الأمريكيّة، وذلك حينما انعقدت جلسات الدورة الثالثة للمجلس الوطنيّ في شهر أبريل من العَام 1992م.
شغل المنصب حتَّى أبريل 1992م، حيث رفض قبول المنصب بعْد انتخابه فِي دورة المجلس الوطنيّ الثالثة. أصر المقريَّف على تولّي الحاج غيث سيف منصب «نائب الأمين العام»، إلاّ أن الحاج رفض المنصب ولم يتولاه. ظل الوضع على مَا هُو عليه إلى أن استقال المقريَّف مِن موقعه كأمين عام للجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا فِي صيف 2001م. قُبلت استقالة المقريَّف وانتخب إبراهيم عبدالعزيز صهّد فِي أغسطس 2001م أميناً عاماً لجبهة الإنقاذ. عقدَ المكتب الدَّائم للجبهة فِي مارس 2004م – وبعد تعذر انعقاد المجلس الوطنيّ – اجتماعاً موسعاً حضره أعضاء اللّجنة التنفيذيّة وأعضاء المكتب الدَّائم فاختير مفتاح الطيّار نائباً للأمين العام، وأُعيدَ انتخاب إبراهيم صهّد أميناً عاماً.
   شارك الحاج غيث عبدالمجيد سيف النّصـر في كافة مناشط العمل الوطنيّ بالخارج مُنذ انضمامه للجبهة وحتَّى ساعة اندلاع ثورة 17 فبراير 2011م. شارك في مجالس الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا التي عقدت بالمغرب سنة 1981م، وبغداد سنة 1985م، وهيوستن بولاية تكساس في الولايّات المتَّحدة الأمريكيّة سنة 1992م، وفي مناشط الجبهة السّياسيّة والإعلاميّة، وفي تظاهرات الجاليّة الِلّيبيّة في أمريكا وبعض الدول الأخرى. وحينما اندلعت ثورة 17 فبراير كان الحاج غيث من بين قادة المُعارضة الِلّيبيّة فِي الخارج الّذِين وقفوا مع الثورة منذ ساعة اندلاعها الأولى ودعموها بجميع الوسائل والإمكانيات لأجل إنجاحها والتخلص من نظام القذّافي الّذِي حكم البلاد اثنين وأربعين عاماً. وأصدر بياناً متلفزاً أُعلن فيه مساندته للثورة وإدانته لنظام القذّافي ومطالبة للمجتمع الدّوليّ بالوقوف إِلى جانب الشّعب الِلّيبيّ وحمايّة المدنيين مِن قوَّات نظام معمّر القذّافي. أذاعت البيان المتلفز قناة «الجزيرة» و «العربيّة» الفضائيّة وعدد آخر من الفضائيات، كمَا تمَّ نُشر «نص البيان» في بعض الجرائد والصحف الإلكترونيّة.
  توفي الحاج غيث بعْد معاناة مع المرض لمدة ثلاث سنوات، فِي تونس يوم الأحد الموافق السّادِس مِن ديسمبر 2020م، عَن عمر يناهز اثنين وتسعين عاماً. ولم يعرف الفقيد طوال حيَاته الركوع لغير الواحد القهار، ولم يقبل يوماً بإغراءات نظام القذّافي ولا ضغوطاته، وفضل أن يمضي حياته واقفاً، ولا يتراجع عَن موقفه ومبادئه ومهما كلفه ذلك مِن أثمان. أو كمَا قال ابن عمّه السفير غيث سالم سيف النَّصـر: «واحد و أربعون عاماً (1970م – 2011م) مِن النَّضال المستمر تلاحقه عقوبة إعدام غيابي، تترصده الورقة الحمراء المعممة عن طريق الإنتربول فِي المطارات والحدود البرية، بتهم تثير الضحك والسخرية ممَنْ أصدرها بحقه، لم تلن له عريكة ولم يُسَلّم ولم يستسلم لمغريات، رأسه على كفه، ثقته فِي ربه، بقدر مَا كان نقياً طاهراً صادقا فِي نضاله كان حبّه لوطنه». 
  الاستاذ المؤرّخ الليبي شُكري السنكي -       
 

 

 

الجمعة، 4 ديسمبر 2020

ايام النافورات ..والكِرام

    الاستاذ والمُربي الفاضل محمود دربي رحمه الله رحمة واسعة، كان مُديراً للتربية والتعليم في مدينة البيضاء فترة العهد الملكي طيب الذكر وحتى بداية الإنقلاب...وله من الفضل على التربية و التعليم ما اعتبره قدوة ومسلك وعفاف وتميّز كمُعظم رجال وسيدات التربية والتعليم ذلك الزمن ...عاصرناه كطلبة  خلال المرحلة الثانوية أخر ايامه قبل تقاعده ..وبحكم علاقتنا مع أبنه صديقي مروان دربي ، كنّا نلتقي به أحيانًا كثيرة في بيته المتواضع بأحد أحياء البيضاء العريقة والذي كان يشع أنسًا وكرمًا وعلمًا  ..في جلسة لازلت أذكرها بعد تقاعده حدثّنا مُبتسمًا ..."بعد الانقلاب بفترة بسيطة، التقيت صدفة بـ(القذافي) ودار حديث بيننا وكان في تلك البدايات يختلف عن ما بعده ..حيث كان يبدو وكأنه فقيه متواضع وعنده الامان، مما شجّعني على الحديث له عن مميزات العهد الملكي وإن البلاد يجب ان تستمر إن اردنا النجاح على نفس أسس وقواعد ذلك العهد خاصة في مجال التربية والتعليم حتى وإن تغيّر النظام ..وهنا ..كشّر عن أنيابه وبدى لي شخصًا أخر قائلاً بغضب (انت رجعي !) ..فرددت مبتسمًا مع بعض من الخوف ..اشكرك على هذا الوسام الثاني الذي ساعلقه على صدري ...فسألني بحدة ..وماذا كان هذا الوسام الاول ! ...فقلت ولكن بحذر وكثير من الخوف ...إتهام الطليان لي أيام الاحتلال بأنني كنت ..خائن !...التفت بعيد عني وبدأ في حديث مع اخرين ..وحينها تسلّلت بهدوء خارجًا ...وأنا ادعو الله سرًا في نفسي ان لا يتبعني أحد وان يحفظ الله البلاد والعباد مما هي مُقدمة عليه ..."
           / الصورة  ..من اليمين / فيصل شلوف /مفتاح بوعجاج/ مروان محمود دربي   / منصور المهدي ميلاد - في رحلة لبنغازي ايام الثانوية في السبعينات ..الصورة التقطها العزيز الراحل رفيقنا عبد الحميد محمد يونس رحمة الله عليه ...