السبت، 22 يوليو، 2017

مستشفى أندير ..قصة وطن

.  كانت الطبيبة الإنجليزية جالسة على درج مدخل المستشفى (الخاص) بداية عام 1981 وتبكي بحرقة ،يبدو ان شيئًا غير طبيعي وغير بشري وغير أخلاقي ولا حضاري قد حصل لها او لمكان عملها او لرفاقها ...وخاصة ان كثيرون من (الرعاع والهمج ) كانوا يدخلون ويخرجون محملّون بكثير من محتويات المستشفى من أسرّة وبطاطين وأثاث وحتى شبابيك وأبواب وأدوية وغيرها على طريقة (الهلت) والغنيمة مع صراخ والوعيد والصياح بكثير من الشعارات الهوجاء بينما يهتف المتجمعون لمراقية الزحف " طز طز في امريكا ، الخاين يطلع برّه ...رأسمالية لا لا .." .. كان قبلها الشيخ زايد بن سلطان النهيان عام 1971 قد أجرى عملية (الزائدة) بهذا المستشفى الحضاري والصرح الصحي والعناية الفائقة ، فتمنى من إدارته ومالكه وطبيبه ان يساعدوه في تأسيس مثل هذا الصرح في بلاده (دولة الامارات المتحدة) والتي كانت في بداية حصولها على الاستقلال ولا تتوفر بها مثل هذه الخدمات الراقية ..فوعدوه بذلك حالما يحين الوقت والظروف ..كان الدكتور محمود أندير قد عاد إلى بلاده من بريطانيا في عام 1956 ، بعد دراسة الطب هناك وفي نفسه حلم وطموح ان تكون ببلاده مستشفيات وخدمات صحية راقية لمواطنيه مثل ما رآها هناك ..ساعده في ذلك خاله ، رجل الاعمال الليبي سالم أندير وكذلك دولة مستقرّة وتشريعات ودستور يحفظ حقوق الملاّك والمستثمرين والقطاع الخاص وعلاقات دولية مُحترمة وإجراءات وخدمات مصرفية راقية وبنية تحتية وخدمية متكاملة كما هي في بريطانيا ، كل هذه العوامل ومعها ألاستقرار الامني والاجتماعي ، أسرعت من بناء المستشفى ..الذي تم إفتتاحه عام 1964 ، بدون ضجيج أو دعاية صاخبة أو افتتاح وحضور رسمي ، على غرار طبيعة ذلك العهد وزهد حكامه وصفة التواضع السائدة بين رجاله ، وتحّول المستشفى على الفور إلى( قبلة ) المحتاجين للخدمات الصحية المتقدمة من الليبيين و الرعايا والسوّاح الأجانب ، وكذلك الدبلوماسيين الأجانب ورجال السلك الخارجي ، وحتى الكثير من القادرين من دول أفريقيا المجاورة وأستمر الحال والتطوير والسمعة الطيبة ، حتى جاء الزحف الزاحف على الاملاك والنشاطات الاقتصادية الخاصة وكل ما هو ناجح ومُفيد بشر ام حجر بحجة الاشتراكية والقضاء على الاستغلال والتأميم والحاج عمر والحاج مفتاح وووو ..فتم الهجوم على المستشفى عام 1981 من قبل (اللجان الثورية ) والرعاع بتوجيه وترشيد وحماية نظام الانقلاب على كل شىء جميل... وقضت على أحدث وأرقى وأفخم مرفق طبي وُجد فى ليبيا يومًا كاد ان يكون نموذجًا يُحتذى به في المملكة الليبية التى كانت تتنامي وتزدهر وتتقدم بجهود نخبتها الكفؤة في كل المجالات وشبابها العصامي المتعلم ، ودولتها العصرية الدستورية المنظمة .. توفيّ الدكتور محمود اندير فى العشرين من أكتوبر 2006 من اثر الأحزان والحسرات والظُلم. وانتهى الحلم إلى نفس المصير الذى انتهت إليه أحلام الكثيرين من الرجال الشجعان والموهوبين من جيل الاستقلال وبناة ليبيا في ظل مشروع دولة وإقتصاد وإدارة وحقوق إنسان لم يرى تاريخ ليبيا الحديث مثيلاً له ، ولا تزل اثار ونتائج مثل تلك الجرائم تحوم علينا وفي كل أرجاء البلاد ،ما لم نعي الدروس ونعود لمشروع الوطن وهويته الذي بناه وصمّمه الاجداد المؤسّسون ..
(الحديث كان عن مستشفى أندير بجادة ادريان بلت بطرابلس/تاجوراء ، والذي تحوّل إلى أطلال ، تحكي قصة وطن كان يومًا ينهض للعلا)

مصادر المعلومات * الكاتب الليبي (العجيلي شركس) *د. أحمد الفقيه*عبد الرازق بن نعسان
الصورة ..أطلال مبنى مستشفى اندير بعد غزوه

الجمعة، 21 يوليو، 2017

ماذا حدث !

" الدفعات الاولى من الطلبة الليبيين الذين جاءوا للدراسة الجامعية عندنا بعد الشهادة الثانوية عندكم ، كنت افخر بهم ،أخلاقًا وعلمًا وإلتزاما وأدبا وتنافسوا الند للند علمًا وثقافة حتى مع الطلبة الامريكان والاجانب من كل أنحاء العالم الذين درسوا بهذه الجامعة ، ومعهد اللغات بها ، لكن قبل نهاية السبعينات بدأت تتغير الامور تدريجيًا للاسوأ ، بدأ يأتينا اخرون، على النقيض تماما من أولئك ،كل دفعة كانت أسوأ من الأخرى ،ماذا حدث عندكم هناك في ليبيا في السنوات الاخيرة، اريد ان افهم !"
(تساؤل من د. نجيب جريس (أمريكي من اصول مصرية)كان يعمل مديرا بمعهد اللغات بجامعة بورتلاند في ولاية اوريجون الامريكية في السبعينات ، وجهّه لصديقنا د.بالعيد كويري بعد زيارة له في التسعينات )
إجابة هذا التساؤل قد تُجيب عن كثير من الاسئلة الموجهة عندنا اليوم عن ما حدث لقطاع التربية والتعليم ، مع إحترامنا لكل الخيّرين والخيّرات في هذا القطاع رغم الظروف الصعبة التي ورثناها خلال سنوات التيه وما أعقبها .
ولا ننسى ان كثيرًا من علماء الاجتماع يقولون للبحث عن حلول لظاهرة إجتماعية سيئة ما ،انتشرت بين أجيال اليوم ، فابحثوا اولاً عن جذورأسبابها خلال عقود ماضية ...

الاثنين، 26 يونيو، 2017

صوت الموسيقى والماضي ..





 مدينتي البيضاء في نهاية الستينات كان بها 3 دور سينما تعرض احدث الافلام العالمية ،اذكر انني في ريعان الصبا حضرت في إحداهن، مع اصدقائي ، فلم (صوت الموسيقى)( (The Sound of Music) ،بعد اسبوعان من عرضه لأول مرة في بلد إنتاجه الاصلي في امريكا ، مكتبات بها كل انواع الكتب والمجلات والصحف المحلية والدولية ومجلات للأطفال والشباب مثل بساط الريح وسمير وميكي وطرزان والسوبرمان وغيرها مثل مجلة العربي والهلال ،معظمها من لبنان ومصر،والصحف الليبية كالحقيقة والميدان والمعرفة وغيرها، 2 دور ثقافة كبيرة بها كل انواع الدوريات والكتب والمجلات ،مقاهي شعبية يلتقي بها الناس ،قهوة وشاهي وحليب و(قازوزة) كما كان ينطقها الناس ،أشهرها إنتاج مصانع حسن صداقة (درنة) الخاصة ، بها مستشفى حكومي كبير تم بنائه عام 1964 تدخله كأنك في افضل الفنادق يخدم كل المنطقة (وهو لا يزل هو الوحيد حتى اليوم إلا انه قد ضاقت عليه السبل وغص برواده حيث لم يُبنى غيره حتى اليوم رغم المليارات والاحتياج، بها جامعة السيد محمد بن علي السنوسية بها مناهج الاسلام التنويري الذي لا يعادي ملّة ولا عقيدة ولا دينا ولا ثقافة اخرى على منهج الحركة الاصلاحية السنوسية المباركة يدرس بها طلاب من كل انحاء الوطن ،على سبيل المثال ، الطيب الخلوق الشيخ الدوكالي العالم وكذلك من افريقيا واندونسيا وغيرها من الدول الاسلامية ،بها عدد 2 فنادق تُعتبر 5 نجوم ذلك الوقت ، وكثير من السوّاح الاجانب هم الذين يجلبون الدولار الينا ولا نذهب اليه ، بها الكثير من المباني والمنازل المبنية من القطاع الخاص للتأجير،حسب المُخطط العام الجميل للمدينة (والتي أشرفت على تصميمه شركة دوكسيادس اليونانية بتكليف من حكومة المملكة الليبية)، والتي كان معظمها خالية ، بسبب ان العرض كان اكثر من الطلب ، بها دار ثقافة امريكي به الكثير من المجلات والدوريات العربية والامريكية يُشرف عليه أساتذة ليبيين مُحترمين شكلاً وثقافة ومعاملة، بمساعدة بعض الامريكيين المتخصّصين حتى في تعليم اللغة الانجليزية ،كما كان يعُرض داخله كثير من الافلام الوثائقية والتعليمية والثقافية وكذلك عرضها حائطيًا في كثير من المناطق والقرى بإستخدام وسائل العرض المتوفرة ذلك الوقت ..كان بها وسائل نقل عامة نظيفة ومُحترمة و بالمواعيد ...وغيرها الكثير من الاشياء الجميلة ،بمجرد إنقلاب (زحف الزاحف) اختفت هذه الاشياء ،حتى قازوزة حسن صداقة ...وحل محلّها الضجيج والوجيج على رأي شبابنا اليوم ..هذه فقط شذرات من واقع جميل أغلقه كتاب اخضر داس على بدايات مشاريع مدنية وحضارية وإقتصادية صحيحة كانت يوما ، وانا متأكد ان مثلها وأزيد كان موجودا، في كل مدن ومناطق بلادنا، وأستمرت على نهجه كُتب وشعارات وايديولوجيات زمنية بعد سقوطه،فلا تستغربوا وجود الارهاب و الدواعش بكل انواعهم ..طالما لم نتعلم الدرس بعد في ان الدين لله والوطن للجميع ...وان الدول والمجتمعات التي تبنت دساتير حقوق المواطنة والحرية والابداع هي التي بقت ونمت وتقدّمت ودخل غيرها مستنقع الارهاب الفتنة والتشرذم والاقتتال والفساد ...حفظ الله ليبيا.

(فندق البيضاء بالاس هوتيل عام 1966-غلاف فلم صوت الموسيقى)


الثلاثاء، 20 يونيو، 2017

تاريخ وطن وارقام ....


   لا احلم ولا اتحسّر ولا اتباكى،لكن اتحدّث عن تاريخ وطن نسيه الكثيرون :
  دولة كان يسبق فيها التخطيط الواقع ،جامعة بنغازي (أم الجامعات الليبية)،جامعة طرابلس ، جامعة السيد محمد بن على السنوسي ، جامعة عمر المختار ، محطات توليد الكهرباء الرئيسية وخطوط نقل الضغط العالي ، طريق الساحل فزان ، الطريق الساحلي ،مطار طرابلس ، مطار بنينا، مطار سبها ،المُدن الرياضية ،مشروع إدريس لبناء 100000 وحدة سكنية على مستوى البلاد ، المستشفيات الحكومية الرئيسية ، مستشفى المنصورة بشحات(1956) ، مصانع القطاع الخاص، إدارة حكومية منظمّة قادرة وكفؤة وقطاع خاص ناجح، البنية التحتية للمدن الليبية ،السياحة في ليبيا ، الفنادق الحكومية والخاصة تتنافس في الخدمات ، مزارع القمح والبرتقال والزيتون والخضروات والعنب والتمور ،مدارس سعة الفصل فيها لا تزيد عن 17 طالب تُصرف فيها وجبات الافطار مجانًا ، معاهد المعلمين والمعلمات ،داخلي للطلبة والطالبات ،خطط تنموية خماسية ، بناء مدينة المرج كمدينة متكاملة بعد زلزال عام 1963،الابقاء على ما تركه المعمار الايطالي من بناء والمحافظة عليه ،ارقى انواع التعليم والتربية، صحف حرة وثقافة وحرية كلمة وإذاعات حكومية محترمة تُذيع كل جميل ومُفيد ولا تطبّل لاحد ، دور سينما ومسرح ومكتبات خاصة وعامة ،مواصلات حكومية راقية ومنظمة وبالمواعيد ،تعداد سكاني كل سنتان لمواكبة التخطيط المستقبلي ، علاقات دولية وسفارات مُحترمة ، دستور مدني يحفظ حق المواطنة والانسان وامن وامان ..كل هذا في مدة لم تتجاوز الـ18 عاما وبقيمة إجمالية لا تتعدى الــ مليار و ثمانمائة الف دولارمن إيرادات النفط(1800000) والباقي إحتياطي إقتصادي ،خلال عهد المملكة الليبية الزاهي ، بعدها أنطبق علينا القول (لمّا يلتم المال والاهبال ، يريح المال ويقعد الاهبال ) .......وشن جاب لجاب..
 (معلومة الاستاذ ابوبكر البدري)

الاثنين، 12 يونيو، 2017

الثقافة ... موقف ...




توفيّ الايام الماضية الكاتب والاديب الاسباني خوان غويتيسولو (1931) صاحب روايات (خوان بلا أرض)و(فضائل طائر منعزل) و(طيور تلّوث عشّها) وغيرها ، وهو الاديب الذي رفض عام 2009 استلام ما سمي وقتها (جائزة القذافي للأدب وحقوق الانسان) التي اسسّها النظام السابق عام 2007 وقيمتها المالية 200000 دولار (من حسابات الدولة الليبية طبعًا) واشترى بها وبأمثالها كثير من (المثقفين الرقّاصة) ..توفي السيد غويتسيلو في مراكش حيث كان يقيم في احد مناطقها الشعبية وحيدا بعد ان اتاها ،حزينًا ووحيدًا بعد وفاة زوجته من اسبانيا حيث كانا يُقيمان ..كتب وتحدّث عن اسباب رفضه لتلك الجائزة الوهمية وقتها ،لعل اشهرها :
 "بعد تردد قصير، ناقشت خلاله بيني وبين نفسي احتمالات قبول الجائزة أو رفضها، ولأسباب سياسية وأخلاقية، اتخذت الخيار الثاني حيث انه لا يمكن لي إستلام الجائزة والمبلغ المقدّم ،حيث ثبت لي ان المبلغ المالي مقدّم من حكومةالجماهيرية الليبية التي «استولى "فيها معمّر القذافي على الحكم بانقلاب عسكري سنة 1969». "
"لا يمكن أن أحمل جائزة تحمل اسم ديكتاتور..."
"لست شخصاً ينساق وراء القضايا بطريقة هوجاء. لكنّني في إطار احترامي الخاص لشعوب المنطقة وثقافتها الرائعة، انتقدتُ دائماً، وكلَّما استطعت، الأنظمة التي تستبدّ بشعوبها، وتبقيها في الفقر والجهل"
 تحية لك وإحترام في مرقدك ..ايها الصادق العفيف ..لعل ما قلت يحّي ضمائر من قفزوا على ظهر الوطن من (اهل الوطن) واستولوا على خيراته وامواله واموال المُستضعفين الغلابا بدون وجه حق .

السبت، 3 يونيو، 2017

الضمير

  كنت وأحد الاصدقاء المُدخنين في زيارة عمل ودراسة لألمانيا ،مدينة دوسلدورف، نهاية التسعينات ، نزلنا بعد عشاء متواضع بمطعم الفندق ليشتري صاحبي علبة دخّان مالبورو، وكانت الساعة بعد مُنتصف الليل ،حيث كان احد المحلات التجارية بجانب مبنى الفندق مفتوحا ويديره سيد الماني لوحده، هذه الانواع من المحلات المتواضعة من العادة ان تكون بسيطة ولكن بها كل الاشياء التي من العادة يحتاجها الناس بشكل عاجل في مثل هذه الاوقات ..اشار صاحبنا إلى الركن الذي به (قراطيس ) الدخّان ، فساله صاحب المحلّ بلغة انجليزية ركيكة .."تريد من هذه ام من هذه ! "(الالمان عادة لا يحبون تعلّم لغات اخرى ويفتخرون كثيرًا بلغتهم الالمانية ) ..وكانت إشارته الى نفس النوع من الدخّان ..ولكن واحدة في صف والاخرى في صف اخر..فسأل صاحبنا : وما الفرق ..هو نفس النوع ! . فكان رد صاحب المحل : "(جا) ، نعم ..لكن هذا الصف بتسعيرة قديمة اعلى ،وهذه بتسعيرة جديدة ..ولكن النوعان صالحان للاستعمال البشري ،الفرق بينهما ان هذا النوع قد تم تصنيعه جديدا بتقنيات حديثة وهنا السبب في فرق السعر "..صرت اتسائل بيني وبين نفسي ..لم لم يخلطهما ببعض ويبيع بالسعر الاعلى ،فلا احد يراقبه ولا حد سيحاسبه ،خاصة في هذا الوقت من الليل ومن يشتري جاي من (الجماهيرية) لا يعرف وليس لديه معرفة بحقوق المُستهلك وشعاره ( الموجود رخا)! ...اعتقد جازمًا ان هذه _(التاجر) لم يحضر خُطبة واحدة من شيوخ الدين كما عندنا ولا من يذكّره ليل نهار بالجحيم والويل والثبور ، ولا اعتقد انه كان بجواره شيطان يوسّوس له بعمل الاثام والموبقات ، ولا جلس يشاهد قنوات التلفزيون يلعل له الدعاة ليل نهار فيها بقصص عن الثعابين وروائح المسك وقصص قديمة ضاع فيها كثير من الحق والحقيقة بالنقل المُفبرك حسب حاجة سياسة وسلطة الزمن ولا افتى له مفتيًا بــ(المرابحة ) ولا سأل ...ولا رفع له حزبأ شعار ( مشروعنا هو الحل ) ولا حكمه طاغية رفع شعار (التجارة ظاهرة إستغلالية ) ولا تشكلّت له (لجان تطهير) تدّعي انها تُحارب الاستغلال ...إنما مارس تلك الاخلاق الانسانية من خلال (ضمير) تربى في منظومة تعليمية ثقافية مدنية وطنية إنسانية شاملة .

الثلاثاء، 30 مايو، 2017

متى اكبر !

متى اكبر يا جدتي ..!
عندما تحزن او تضحك على اشياء فعلتها او قلتها، كنت تعتقد يومًا انها صحيحة..
عندما يهزّك الوجع والفقد ..بعد ان كنت لست مباليًا ..
عندما تتذكّر اشياء جميلة مررت بها ولم تشعر بها حينها ..
عندما تتذّكر وجوها غابت ،وألحانًا عِذابا، لم تأبه لها يوما..

عندما تهتم لأشياء بسيطة وقديمة كنت ترميها واليوم تبحث عنها..
عندما تعرف من اين يأتي هذا الخبز والقمح والتمروالحليب والكِساء ...
عندما تلتقط فتات الخيز التي ترميها الان ،وتلثمها وتضعها فوق رأسك إنعاما ..
عندما تهتم لامر الارض والزرع...وصرت تنتبه لاصوات الطيور المُغردّة ..
وتلسعُك الذكريات ...واشعار الحكمة ...

  

الجمعة، 26 مايو، 2017

الحاج صمد ..

 الحاج صمد رحمه الله ،شخصية من شخصيات البيضاء التاريخية المعروفة والمُحترمة ،كان له دكانًا بسيطا في السوق الفوقي في البيضاء في الستينات ، يبيع الدمغة مع شوية قرطاسية و خبزة وبعض الاكسسوارات بأرخض الاسعار، حيث كان يظهر كانه متمتع بما يعمل وليس بمكاسب التجارة كما اليوم ! حلو المعشر والسريرة دائمًا مُبتسم وسعيد بقيافته الجميلة والمتواضعة ويبيع بالدين للناس الفقيرة ويُفرحنا نحن ايام الصبا بقطع من الحلوى حين نأتيه فترة الاستراحة من مدرسة الميدان الابتدائية التاريخية والقريبة منه والتي تم هدّها بعد الانقلاب اللعين ، والاهم انه كان لديه ترخيص تجاري ويدفع الضرائب سنويًا بكل اريحية للدولة الليبية المُحترمة انذاك رغم تواضع إيراداته كما هم معظم تجّار ذلك الزمن الجميل، ولا يتناول مرتّب منها ولم يكلّف خزينة (المجتمع) ملّيمًا واحدا ..جاء زحف الزاحف عام 1969..قاموا بعدها بتأميم محلّه البسيط ذاك ..ضمّوه لصف العاطلين غصبا عنه كموظف لما سميت وقتها الشركة العامة للاسواق وتوقف طبعًا عن دفع الضرائب وبدأ ينال مرتّب حكومي وبدأت الدولة تدفع ضرائب عنه لنفسها ! ، واُقفل محلّه وتصدّعت اركانه وكل الدكاكين والمباني التاريخية حوله وجانبه بعد ان أمّمتها الدولة ! ،كلّفوه بقسم الملابس قبل تقاعده ،كان مهموما حزينًا يتذكّر ذكرياته البسيطة مع الناس الطيبة خلال الايام الخوالي،جالسا على كرسي وسط قسم الملابس !..أقترب منه أحد المواطنين وسأله :"عندكم بيجامات يا حاج" ، التفت اليه وتأملّه طويلاً ثم رد بأسى وحزن ونبرة وتنهيدة :" بيجامات ، بيجامات نوم يعني ! ..لا ..ممكن جايات بعد اسبوع مع طلبية المحاقن والحشيشة والسبابيط والدحي، هكّي قالولنا ! ..لكن انت ..يا عوينك تبي ترقد ..و يجيك النوم !"

الأحد، 21 مايو، 2017

الاثنين، 15 مايو، 2017

يا ظالمني

يا ظالمني :
 كان يمتاز بالشجاعة وحكمة وطرائف المواقف ..فقدّموا له مذكرة ليقدمّها لمعمر القذافي عند حضوره أحد إجتماعات (الاتحاد الاشتراكي) بالبيضاء في منتصف السبعينات ،محتواها ان يسمح ويأذن لهم ويموّل مدرسة إبتدائية وفصول جديدة لإستيعاب اولادهم وبناتهم ،حيث تجاوز عدد تلاميذ الفصل الواحد اكثر من 40 تلميذاً بعد توقف خطط التنمية المعدّة سابقاً قبل الانقلاب ..قبِل المهمة وحضر اللقاء ، وبعد ان نظّر القذافي كثيرًا عن الاشتراكية والوحدة وتحريرفلسطين وقرب بزوغ عصر الجماهير والاستغلال والامبريالية والاستعمار وتحرير الشغيلة في العالم وربط الاحزمة وقرب طرح الحلول الاقتصادية والسياسية والاجتماعية حلولا نهائية لا رجعة فيها والثورة الثقافية وعرّج على كاسترو وكارلوس وأكل الدلاع وجبهات الصمود والتصدّي والمقاومة ورجعية انظمة المغرب العربي ..امر براحة له وللحاضرين على ان يعود الاجتماع لاستكمال الحديث عن الخونة والعملاء المندسين بين الشعب لإفساد المشروع الثوري المحلّي والاممي وضرورة تطهير الجامعات والتعليم من الرجعية وتأميم الشركات والاملاك الخاصة (الاستغلالية)و... ...خلال تلك الاستراحة تسلّل صاحبنا ورحبّ عليه وأستأذنه بتقديم مذكرة وترجّاه ان يطلع عليها فهي تخص امر قدمّه له اهل المنطقة ..أخذ القذافي الورقة ودسًها في جيبه قائلاً "باهي باهي بعدين ، توا نشوفها"..رجع الجميع للقاعة بعد الاستراحة، وصاحبنا يجلس الكراسي الامامية ،مزهواً بأنه نجح على الاقل في المرحلة الاولى ..تقدم احد الشعراء بملحمة شعرية عن جهاد الاجداد ضد الاستعمار ،لم ترق للقذافي ،حيث فهم منها ان ما تحدّث عنه لهم لم يجد اذان صاغية ولا فهم ولا مفهومية ! ..عندها أضطر جالسًا ان يُخرج الورقة وبدأ يتمعّن فيها ..لم تطل فرحة صاحبنا وهو يمعن النظر في القذافي ..حيث رآه وقذ زاغت عيونه وبدأ الغضب عليه ، نادى بعدها القذافي لاحد الحراس وتمتم في أذنه كلمات ..رأى صاحبنا ان الحارس قد التفت إلى الحاضرين وبدأ هو ايضا يتفرّس في وجوه الحاضرين ..فعرف انه يبحث عنه ..اشار له بيده ..تقدم الحارس لصاحبنا قائلاً "شن اللي اعطيته للقائد" ، تمتم صاحبنا بأنها مذكرة بغرص المساعده في الــــ ..ثم وضع يده في جيبه فوجد المذكرة لا تزل هناك ..وبدأ يفكر ..ماذا اعطيت ، ماذا اعطيت ...عندها تذكّر ..كان صاحبنا من رواد مقهى الجزائر في السوق القديم قبل ان تتم إزالته فيما بعد ،بعد توجيهات غلق المقاهي والدكاكين وغلق النشاطات الترفيهية والتجارية ، فهذه النشاطات تعتبر في ظل النظرية ..ليست إنتاجية بل تمنع الناس من الانتاج والعطاء ! ..تذكّر صاحبنا ان صديقه صاحب المقهى عرف منه انه سيسافر بعد ايام لبنغازي ..فطلب منه ان يحضر له مجموعة اشرطة غنائية لزوم المقهى والروّاد، متوفرة في بنغازي وغير متوفرة في البيضاء ومعظمها أغاني لام كلثوم ،كتبها له صاحب المقهى في ورقة ، تصدرتها اغنيات :يا ظالمني ، اروح لمين ، ح اسيبك للزمن ،الاهات ، فكروني، يا عيني عللي راح ، ووسطها أغنية لفريد وأخرى لمحمد صدقي ...يا ليل ياما فيك سهارى ..طيرين في عش الوفا ..وذيّلها بأغنية محمد نجم ..ليبيا يا نغمًا في خاطري ..اعطى صاحبنا المذكرة الاصلية للحارس معتذراً قائلاّ " توا بلغّوني ان قريبي فلان توفى ..ومعزّا كبير يرجا فيّ..تبقى على خير " ...